
ينساب بين خصلات شعرها ريح البحر، تتأمل منى الغروب والشمس تودع الأرض في هدوء، بعض الخيوط الذهبيه،تلك آخر صلة بينها وبين الشمس، ويبدأ عهد الظلام مع أعماقها، كم تبقى؟، ليس كثيرا، تجلس منى ذات الشعر الكستنائي على كرسي، تداعب بأطراف أصابعها الرمل الممتلئ بماء البحر، عيناها الواسعتين تحضن البحر والرمال وكل الناس من حولها، وأثناء التفات رأسها تجده أمامها، لا، يجلس بجوارها، صرخه مكتومه تخرج بين شفتيها: كيف؟
آخر من تتوقع وجوده بجوارها، الشاب الوسيم، الطويل القامة، ذو شعر أسود ولحية تم تهذيبها، عيون بنيه، ابتسامة جذابة، إنه يوسف.
كيف أتيت؟ ومتى أتيت؟ وكيف عرفت مكاني؟ ، اسئلة مليئة بالشغف والحب والتساؤلات والاندهاش، عيناها كانت تلمعان من المفاجأة، قفز قلبها من فؤاده بعد أن تداخلت أصوات ضربات قلبها مع ضربات موجات البحر الذي لن يُرى بعد قليل من الظلام، لم يجب يوسف وهو يرتدي شورت كاكي اللون وقميص أبيض مفتوح متعمدا إظهار شعر صدره، سرعان ما تبدلت منى في لحظه وغضبت.. هل أتيت لتصالحني؟، لن اسامحك..ولن اصالحك.. ما رأيته منك يجعلني أقتلك، خائن، كاذب، تدور حول الفتيات بلا وعي، أنت مخادع وليس لك أمان، طبعا لن تنطق، فقد شاهدت ورأيت كل شيء، لن اغفر لك، لماذا أتيت؟ أنا البلهاء في حياة أحدهم، تعود وتستغفر و اغفر ثم تعود لكفرك مرة أخرى، لماذا أنا؟ اتركني وشأني، سأجد من يقدرني ويبعث الأمل من جديد في حياتي، ألن ترد؟ ستبقى صنم هكذا وأنا من جهلي أطوف حولك واطلب العفو والرحمة.
لم تشعر بنفسها وهي تمسك بعود من الخشب وجدته تحت قدميها وهبت واقفه وتريد أن تطعنه في قلبه، حتى وجدت يوسف يكشر عن أنيابه ويمسك يدها في عنف وغيط وشرار الغضب يخرج من عينيه لتحرقها.
هدأ علو صدرها المضطرب، وحاولت الحفاظ على سرعان أنفاسها المتلاحقة لتعود إلى الكرسي ولكنها لم تجده.. لم تجد الكرسي ولم تجد البحر ولم تجد الغروب، كل شيء تلاشى في غمضة عين، أفاقت من ذهولها بعد لسعة برد خفيفه طرقت خدودها، أين أنا؟ سألت بصوت مرتفع ، إذ بها تجد الإجابة حيث وجدت نفسها بين رمال ولكن رمال الصحراء وأمامها الحطب وقد اشتعل نارها الهاديء،ويوسف يجلس بنفس الملابس التي ظهر بها على البحر والأغرب أنها ترتدي نفس ملابسها كما كان ، ماذا حدث؟ لا يجب يوسف، وكأن تحول إلى تمثال يوناني، بلا حدقات، أكملت تساؤلاتها وكأن الليل الذي هبط عليهما، يغطي جرح غائر في أعماقها.
كنا اتفقنا على الفرح والزفاف وكل شيء، ما الذي تغير فجأة؟ ، لماذا تحولت من كل شيء إلى لا شيء؟، هجرتني وبقيت وحيدة مثل وحدتي هذه في قلب صحراء لا أعلم كيف وصلت إلى هنا!، قل لي لماذا فعلت ذلك؟ أكاد أجن، هبت واقفة تريد الانقضاض على يوسف بقطعة حجر كانت بجوارها، لتسمع اسمها يتردد في الصحراء…
رشااااااااااااااااا
*
في غرفتها الصغيرة التي تطل على ضجيج المدينة كانت تعيش رشا، تعيش حياتين، حياة واقعية ممله وحياة بين أوراق الدفتر،حيث يسكن في قلب الدفتر حبيبها السابق، أفاقت على صوت أختها أميره وهي تمسك بها في عنف لتحاول أن تفيق من غفوتها العميقة، أمسكت أميره الدفتر وقرأت :
(ينساب بين خصلات شعرها ريح البحر، تتأمل منى الغروب والشمس تودع الأرض… … )
تركتها غاضبة وأغلقت الباب من خلفها لتسمع رشا صوت اختها أميره تتحدث عبر الهاتف النقال:
رشا يا دكتور، لا زالت متعلقة بحبيبها السابق، أسمته يوسف وهو تحاول قتله على الورق، نعم، مازالت حالتها متأخره، بل تزداد سوءا يوم بعد يوم.. ما الحل؟
بنظرة شيطانية خبيثة نظرتها رشا أمام زجاج النافذة ، تذكرت رشا خطتها الجهنمية في قتل أيمن وادعت إنها مريضة نفسية ولكنها لا تعلم أنها بالفعل مريضه نفسيه وحُكم عليها بالمؤبد ولكن حبسها كان بالمصحة النفسية والتي بالخارج لم تكن إلا الممرضة التي كانت تشرف عليها.





