
كان زمان وكان في دكانة بالفي
وبنيات وصبيان يجي نلعب عالمي
يبقى حنا السكران قاعد خلف الدكان
يغني وتحزن بنت الجيران
اوعى تنسيني اوعى تنسيني
واتذكري حنا السكران
*
عدت بعد سنوات إلى مسقط رأسي، الصورة الأخيرة لا زالت مطبوعة داخل الذاكرة، شارع بلا اسفلت، دكان عم عبده، ورشة الحاج فوزي، عم فؤاد المكوجي، محلات قليلة، هدوء أكثر، حُب يُولد في قلب الشاب نوح الساكن أمام مكتبة أبو سحر، سحر الفتاة التي سحرت القلوب وأسرت العقول وخصوصا قلب وعقل نوح، سحر فتاة في السابعة عشر من عمرها، لم تكمل تعليمها، اكتفت بجمالها الأخاذ وخمرة بشرتها وعيونها الواسعه، اعتبرتها شهادة ربانية للقبول عندما يطرق بابها أي عريس، وبالفعل، لم يكف الباب عن الطرق ولا الدكان عن الأحاديث، إلا قلب نوح الصامت في خجل والذي يعشق الحب من بعيد دون إبداء أي مقدمات، أخته أطلقت عليه ( نوح السكران) أسوة بأغنية فيروز الشهيرة حنا السكران، كان يغزل قصائد الحب على ورق الشوق، ويعطرها بقبلاته و بحنان الأم يودعها في ملف ، لم يخبر أحد بسره، لا يهم، القمر شاهد على حبه، الليل يستر عورات نظراته المختلسة ، الهدوء صديق قلبه.
نحن والعصافير كنا بالحي ندور
صوب الدكان نطير
حاملين غمار زهور
يبقى حنا السكران
بيلهو على الحيطان
عم بيصور بنت الجيران
*
في شرفته جلس بالليل يسمع أم كلثوم، ولكنه كان هائما في عالم آخر، الليلة ليلة سعده وهناه، أنها هنا، سحر تقف ممشوقة القوام، الاضاءة خافتة، لم تساعده على رؤية اكتمال القمر، ولكن قلبه يخفق، اضطرب، ذرات من العرق تنساب على جبهته، ماذا يفعل؟، بلا وعي، كتب على حائط الشرفة، أمسك الطباشير وكتب، وكل شطر يكتبه، يختلس النظر، هل ترى؟ ، هل لاحظت ؟ هل انتبهت؟، بين الكتابة وسرقة النظر، تبخرت.
تنهد في حزن وصمت وبكى وانطفأ عامود النور في مشاركة وجدانية فريدة أن تحدث وتتزامن معه.
حلوة بنية الجيران
راحت في ليلة عيد
وانهدت الدكان
واتعمر بيت جديد
بعدو حنا السكران على حيطان النسيان
عم بيصور بنت الجيران
**
أيام مرت، أوراق خريف سقطت، كبر من كبر، ومات من مات، وتغير الشارع، تطور بالأسفلت، عم عبده مات، وعم فؤاد مات، وورشة الحاج فوزي أغلقت، وأغلقت المكتبة، لا.. لم تغلق،في الحقيقه هدمت تماما ، وصار مكانها برج كبير، أين سحر؟
كبرت وتزوجت من شاب ثري من عائله ثرية، ولا نعلم أي تفاصيل.
نوح لازال سكرانا، لم يتزوج، بقى على حاله، أخته تزوجت وتطلقت وأتت بإبنها وعاشت معه.. قالوا عنه أنه يكلم الحيطان وأحيانا الهواء وأحيانا السماء.
لا زال يذكر سحر.. لا زال متيم بها، بقيت الذكرى في قلبه، قلبه الذي لم يكبر رغم اشتعال رأسه شيبا.. وصار قصته على الألسنة تكررها الناس عندما لا يجدوا شيئا يتكلموا عنه.. نوح السكران مرآة إنسان بسيط انكسر تحت الحياة.
اوعى تنسيني اوعى تنسيني
واتذكري نوح السكران.





