صراع الأدوات وأصالة الإبداع:
الاستعانة المشروعة بالذكاء الاصطناعي ومزاعم “الانتحال الرقمي”
بقلم: عبد العظيم كحيل
-أبو بلال- طرابلس لبنان
كلما أطلّ على البشرية فجرُ تطورٍ تقنيٍ جديد، انقسم الناس إزاءه إلى فسطاطين: فسطاطٌ يرى فيه ثورة تخدم العقل البشري، وفسطاطٌ يندفع وراء فوبيا التوجس والتشكيك، متفلسفاً بـ “سد الذرائع” ليحارب التطوير، بدلاً من فهمه وتوجيهه. واليوم، تقف المنصات والمواقع الأدبية أمام معضلة “كواشف الذكاء الاصطناعي”، لتطلق إنذارات جافة وتصدر أحكاماً ظالمة تستبعد النتاج الإبداعي بمجرد الشك في تنقيحه إلكترونياً، في إجحاف صارخ لا يفرق بين “الاستعانة المشروعة بالأداة” وبين “التزييف الفكري”.
إن التاريخ والواقع يخبراننا بأن العلم والإبداع لم يكونا يوماً حكراً على جدران المعاهد والجامعات. فالتعليم الأكاديمي، من المدرسة إلى مدرجات الجامعة، ليس إلا عملية تراكمية يتعلم فيها الطالب من خبرات من سبقوه، ثم يضيف إليها موهبته وطريقته وإبداعه الشخصي إن كان موهوباً. غير أن تاريخ الأدب والتاريخ البشري يزخر بأمثالٍ فذة وعقليات عصامية، لم تطأ أقدامها كبريات الجامعات، لكنها بالقراءة المتنوعة، وتتبع المعلومة، وصقل الموهبة الذاتية، أنتجت إبداعاً وفكراً فاق في مكان ما قدرات جيل كامل من أصحاب الإجازات الأكاديمية الجاهزة.
وقديماً، كان الباحث أو الأديب إذا أراد توثيق معلومة تاريخية، أو مراجعة وزن شعري، أو ضبط قاعدة لغوية، يشد الرحال بين رفوف المكتبات، ويقضي الأيام والشهور غارقاً بين أوراق الموسوعات والمعاجم ليصفي نصّه ويهذبه. كانت تلك الكتب والموسوعات هي “أدوات” العصر التي تأخذ من الكاتب جهداً بدنياً هائلاً ووصفياً مضنياً على حساب وقته المخصص للتدفق الإبداعي.
اليوم، تبدلت الأدوات وبقي الجوهر ثابتاً. إن برامج الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث الحديثة ليست إلا “المكتبة الجامعة والمعجم الفوري”؛ إنها عونٌ للكاتب الحقيقي وليست بديلاً عنه. فالآلة لا تملك قلباً يرتجف بالذكريات، ولا روحاً تصيغ حكاية معاناة طفل هارب من سوط جلاده، ولا عاطفة تدرك أبعاد الفكر السياسي والاجتماعي. الآلة تقدم الترتيب اللغوي، والضبط النحوي، وتنقيح الحشو؛ إنها تلعب دور “المحرر الأمين” الذي كان يرافق كبار الكتاب في المطابع التاريخية قبل النشر.
وهنا يكمن الخط الفاصل والدقيق بين نوعين من التعاطي مع هذه التكنولوجيا:
الاستعانة المشروعة (التحرير الذكي): وهي أن يكون النص نابغاً من عقل الأديب وقلبه وتجربته، كلماتٌ تحمل بصمته الشخصية وهويته التي يرفض تغييرها، فيقود الآلة لتصحح وتضبط دون أن تفرض فكرتها عليه. هذا توظيفٌ ذكي للتطور واختصارٌ للوقت ليذهب الجهد خالصاً للفكرة العميقة.
الاستعانة المرفوضة (الانتحال الكامل): وهي أن يقف الشخص عاجزاً بلا فكرة ولا موهبة، فيطلب من الآلة خلق نص كامل من العدم ليتزين بلقبٍ ليس له. هذا هو الغش والخداع الذي يجب حظره.
إن وقوف بعض المواقع اليوم خلف برامج كشف رقمية صماء لرفض النصوص البليغة بدعوى “شبهة الذكاء الاصطناعي” هو جهل بطبيعة الكتابة وصقل النصوص. فالنص الفصيح ليس حكراً على البرامج، وعقل الأديب العصامي الذي شق طريقه بجهده منذ الطفولة لا يمكن اختزاله في معادلة خوارزمية. نحن نكتب بأفكارنا، ونموت على أساليبنا الأصيلة التي عشنا عليها عقوداً، ولن نترك للتكنولوجيا أن تمحو هويتنا، بل سنجعلها خادمةً لأقلامنا ليبقى الإبداع الإنساني خالصاً، حراً، وعصياً على الاستبدال.








