مقالات

الاعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : شاهد عيان خارج الوطن ( الحلقة الثانية )

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : شاهد عيان خارج الوطن (الحلقة الثانية)

عندما تكون خارج وطنك…
لا تبقى عيناك مجرد عضوين للرؤية، بل تتحولان إلى كاميراتين ترصدان و تفككان و تحللان كل مشهد، وكل حركة، وكل تفصيلة صغيرة تمر أمامك. وأنا خارج الوطن… رأيت ما لم أكن أتوقع أن أراه.

& كراهية صامتة تحت سطح التعامل ..

شاهدت جنسيات آسيوية تعمل لدى جنسيات عربية، لكن خلف الابتسامات المهنية كانت هناك مشاعر احتقان واضحة.
لمست حالة من الكراهية الدفينة، تتجلى أحياناً في تنمر مبطن أو عنصرية صريحة.
وعندما تتاح فرصة للانتقام أو التشفي – ولو في موقف بسيط – لا يتردد البعض في استغلالها.
لم تكن ملاحظة عابرة في بلد واحد، بل تكررت المشاهد في أكثر من دولة عربية.
مشهد يطرح سؤالاً صريحا:
كيف تتحول علاقة العمل إلى صراع نفسي صامت؟

& طقوس النار… والمشهد الذي لا ينسى ..

تأخر مسؤول الصوت عن تسجيل حلقة مهمة خارجية في مكتب أحد المسؤولين، فاضطررت إلى الذهاب إليه في منزله برفقة كبير المصورين.
وصلنا فوجدنا باب الشقة مفتوحا، و أدخنة تتصاعد من الداخل توقعنا حريقاً.
دخلنا لنفاجأ به واقفا أمام موقد الغاز في المطبخ، والنار مشتعلة بشكل غير طبيعي، وهو يتمتم بكلمات غريبة أشبه بطقوس غير مفهومة.
همس كبير المصورين في أذني: “إنه يعبد النار.”
كانت المرة الأولى التي أرى فيها مشهدا كهذا.
كلما ردد تعويذة، ارتفعت ألسنة اللهب بشكل غير مألوف.
في محاولة غريزية لإيقاف المشهد، أمسكت وعاء بلاستيكيًا و ملأته ماء و ألقيته على النار… لكنها ازدادت اشتعالا” .
هربنا إلى الشارع مسرعين.
وفي اليوم التالي، حضر إلى العمل، وملامح الاحتراق واضحة على وجهه و حاجبيه و رموش عينية ، ينظر إلينا بنظرات لا تخلو من الغضب المكتوم.
مشهد ظل عالقا في ذاكرتي… بلا تفسير.

& سباق مع الزمن… وأمومة بأي ثمن ..

شاهدت سيدة أدركت متأخرة أن ما تبقى لها من الوقت لا يسمح بتأجيل حلم الأمومة.
عاشت حياتها بلا حساب للزمن، وحين التفتت خلفها وجدت أن الفرصة تكاد تضيع.
خرجت تبحث عمن يمنحها الامومه التى نسيتها و يكفل رغبتها فى انجاب طفلًا… لا زوجا.
كانت واضحة وصريحة:
لا تريد رجلاً في حياتها، بل تريد طفلا فقط.
تنتهي العلاقة بمجرد حدوث الحمل.
خفضت شروطها، تنازلت، أجهشت بالبكاء…
لكن لم يقبل أحد.
مشهد يلخص صراع الإنسان مع الزمن، عندما يصبح الندم متأخرا.

& سوق كازابلانكا… والاسم الذي أربكني ..

في سوق بمدينة الدار البيضاء، ناداني رجل باسمي… واسم والدتي.
تجمدت في مكاني.
كيف يعرف اسمي واسم أمي في المغرب؟
اقتربت منه، فوجدته يفترش قطعة قماش عليها رمل و أصداف وبخور.
قال لي : “أحكي لك الماضي أم الحاضر؟ أم تريد أن تعرف ما غاب عنك؟ كل شيء بعشرة دولارات.”
جلست.
غادرت بعد ساعة… وقد حصل مني على خمسمائة دولار.
لم يكن يعرف الغيب… لكنه كان يعرف كيف يقرأ ملامح البشر جيدًا.

& بلاغ ضد ابنها في قسم الشرطة بإحدى الدول العربية..

دخلت سيدة في أواخر الثلاثينات، ذات شعر اسود مسدول و عيون بنية واسعة ، أنيقة وجميلة، و على صدرها تتدلى سلسلة ذهبية كبيره ، تشكو أن ابنها اعتدى عليها لفظيا ومنعها من الخروج.
تم تحرير المحضر.
وبعد قليل، دخل طفل لم يتجاوز الثالثة عشرة، مكبل اليدين، يبكي.
قال لي:
“منعتها من الخروج ليلًا… كل خميس تبيت خارج البيت، وأبقى وحدي. اتصلت بأبي الذى يعمل مهندسا” للبترول فى الكويت ، فقال لي اسمع كلام أمك و أغلق الهاتف فى وجهى .”
ارتجف الطفل حتى فقد السيطرة و تبول على نفسه و هو يصلى .
مشهد مؤلم…
لا تعرف فيه من الجاني ومن الضحية.

& أول سانتا كلوز في حياتي
كنت أرى “سانتا كلوز” في الأفلام فقط.

في عامي الأول في موسكو، قررت أن أرى سانتا كلوز على الطبيعة ليلة الكريسماس.
ظهر بالفعل، يحمل كيس الهدايا وقائمة بأسماء الأطفال.
تقدمت منه، عرفته بنفسي، طلبت صورة وهدية.
أعطاني علبة كبيرة، لكنه بدا متضايقًا.
عدت إلى المنزل، فتحتها…
فوجدت مزمارًا صغيرًا.
شعرت بغيظ شديد.
احتفظت به أمامي عامًا كاملًا.
في ليلة رأس السنة التالية، ظهر سانتا آخر.
هادئ، لطيف، نحيف.
قال لي:
“سامح سانتا السابق… لقد توفي بعد صراع مع المرض. وأنا هنا لأعوضك.”
أعطاني علبة كبيرة أخرى.
فتحتها… فوجدت طائرة درون.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها درون عن قرب.
طارَت في السماء، وطار معها شيء داخلي.
احتفظت بالمزمار أيضًا…
ذكرى أول سانتا كلوز حقيقي أقابله في حياتي.
هكذا هي الغربة…
ليست مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة داخل النفس البشرية، تكشف لك وجوها لم تكن تراها، و تضعك أمام أسئلة لم تكن تطرحها.
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة…
إذا كان في العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى