مقالات

الانتحار لا يبدأ في لحظة

الانتحار لا يبدأ في لحظة…

دعاء شعبان

ولا يأتي الإنسان يومًا ليقرر فجأة أن ينهي حياته دون أن يكون قد مرّ قبلها بمئات اللحظات التي كسرت شيئًا بداخله.

 

إنها رحلة طويلة من الألم الصامت.

 

رحلة تبدأ ربما بكلمة جارحة…

أو ظلم لم يجد له صاحبُه إنصافًا…

أو خذلان من شخص كان يظنه الإنسان وطنًا…

أو فقدان شخص لم يستطع القلب أن يتعلم الحياة بدونه.

 

في البداية يتحمل الإنسان.

 

يقول لنفسه: «هتعدي.»

 

ثم تأتي أزمة أخرى… فيتحمل.

 

ثم خذلان آخر… فيصمت.

 

ثم ألم جديد… فيبتسم أمام الناس ويعود ليلًا ليبكي وحده.

 

ومع الوقت، لا يصبح التعب مجرد شعور مؤقت…

 

بل يصبح الإنسان نفسه متعبًا.

 

متعبًا من المقاومة.

متعبًا من الشرح.

متعبًا من محاولة إثبات أن ألمه حقيقي.

متعبًا من سماع جملة: «اصبر… كل الناس عندها مشاكل.»

 

لكن ليس كل الناس يحملون نفس الجراح.

 

هناك أشخاص يعيشون وسط الجميع، لكنهم يشعرون بوحدة قاتلة.

 

يضحكون في المناسبات، ويتحدثون بشكل طبيعي، وينشرون الصور والابتسامات… بينما بداخلهم حرب لا يسمع صوتها أحد.

 

والخطير أن الإنسان الذي يصل إلى هذه المرحلة لا يكون دائمًا راغبًا في الموت…

 

أحيانًا هو فقط يريد أن يتوقف الألم.

 

يريد أن يتوقف الخوف.

 

أن يتوقف الظلم.

 

أن تتوقف الذكريات.

 

أن يتوقف الشعور بأنه عبء على الجميع.

 

أن يجد مكانًا يستطيع فيه أن يقول: «أنا تعبت» دون أن يسمع محاضرة عن القوة والصبر.

 

لهذا، عندما تجد شخصًا يقول إنه تعب من الحياة، لا تسخر منه.

 

لا تقل له: «أنت بتدلع.»

 

لا تقارن ألمه بألم الآخرين.

 

ولا تتركه وحده وهو يحارب أفكارًا قد تكون أقوى من قدرته في تلك اللحظة.

 

اقترب منه.

 

اسمعه.

 

قل له: «أنا موجود.»

 

ربما تكون هذه الجملة الصغيرة سببًا في بقائه.

 

وطلب المساعدة ليس ضعفًا.

 

الذهاب إلى شخص موثوق، أو طبيب، أو مختص نفسي، أو الاتصال بشخص قريب في لحظة الانهيار… ليس عيبًا.

 

أحيانًا الإنسان لا يحتاج إلى شخص يحل كل مشكلاته…

 

هو فقط يحتاج إلى يد تمسك به قبل أن يسقط.

 

إلى كل شخص وصل به التعب إلى مرحلة يشعر فيها أن النهاية هي الحل:

 

توقف قليلًا… ولا تبقَ وحدك.

 

ما تشعر به الآن حقيقي، وألمك يستحق أن يُسمع.

 

لكن هذه اللحظة، مهما كانت قاسية، لا يجب أن تكون نهاية قصتك.

 

تكلم مع شخص تثق به الآن.

 

اطلب المساعدة.

 

ابقَ قريبًا من الناس الذين يحبونك.

 

وابعد عن أي شيء قد تستخدمه لإيذاء نفسك.

 

لأن الإنسان قد لا يستطيع رؤية الضوء وهو داخل العاصفة…

 

لكن هذا لا يعني أن الضوء اختفى.

 

أنت لا تحتاج أن تموت لكي يرتاح ألمك… أنت تحتاج إلى مساعدة، وإلى وقت، وإلى شخص يقول لك: لن تمر من هذا وحدك.

زر الذهاب إلى الأعلى