الباحث أحمد شعبان محمد يكتب: حين يصبح الوعي تربيةً والأخلاق منهجًا.. قراءة في العدد الجديد من مجلة أطفالنا
الباحث أحمد شعبان محمد يكتب: حين يصبح الوعي تربيةً والأخلاق منهجًا.. قراءة في العدد الجديد من مجلة أطفالنا

الباحث أحمد شعبان محمد يكتب:
حين يصبح الوعي تربيةً والأخلاق منهجًا.. قراءة في العدد الجديد من مجلة أطفالنا
صدر العدد الجديد رقم (78) من مجلة أطفالنا التى تصدر عن مؤسسة رسالة السلام العالمية، حاملاً مجموعة متنوعة من الموضوعات التي تستهدف بناء وعي النشء، وتنمية حسهم الإبداعي، وتحصينهم ضد المفاهيم المغلوطة، من خلال رؤية تربوية تجمع بين المعرفة والقيم والسلوك.
ومن خلال قراءة متأنية للعدد، يبدو واضحًا أن ثمة خيطًا فكريًا يربط موضوعاته المختلفة، يتمثل في فكرة محورية مؤداها أن بناء الإنسان الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن معركة الإنسان الأولى ليست مع الآخرين، بل مع نفسه وما يعتريها من أهواء وضعف ونزعات تحتاج إلى تهذيب وترشيد.
وقد تصدر العدد مقال الكاتب والمفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان «لقد خلقنا الإنسان في كبد»، وهو عنوان يفتح بابا واسعا للتأمل في طبيعة الوجود الإنساني ذاته. فالحياة ليست طريقا مفروشا بالراحة، وإنما رحلة تتطلب مجاهدة مستمرة للنفس، ومقاومة لما يبعد الإنسان عن الخير والرحمة والعدل.
وتبدو هذه الفكرة وكأنها تنعكس في بقية موضوعات العدد بصورة متدرجة ومترابطة؛ بدءًا من فقرة أسماء الله الحسنى التي تناولت اسم الله «المولى»، لترسيخ الشعور بالقرب من الله والطمأنينة إليه، ثم فقرة «نتدبر القرآن لنهتدي» التي تدعو إلى أن يكون القرآن مصدرًا للفهم والهداية لا مجرد كلمات تُتلى دون تدبر.
كما ينتقل العدد إلى البعد الاجتماعي والإنساني من خلال موضوع «نبني لنجتمع ويبقى الأثر حينما يرتبط القلب بالله»، في إشارة إلى أن العلاقات الإنسانية لا تقوم على المصالح العابرة وحدها، بل تحتاج إلى قيم عليا تمنحها الاستمرار والمعنى.
وفي فقرة «قدوتي» بعنوان «رسول القرآن.. معركة النفس وطريق النور»، يحاول العدد تقديم القدوة في صورتها العملية، بحيث لا تبقى الأخلاق مجرد مفاهيم نظرية، وإنما تتحول إلى سلوك يمكن أن يراه الطفل ويقتدي به.
ثم تأتي موضوعات مثل «العدل يحمي الأسرة ويصون الكرامة» و «قولوا التي هي أحسن» لتترجم هذه الرؤية إلى ممارسات يومية؛ فالأسرة لا يحفظها إلا العدل، والمجتمع لا يستقر إلا بالكلمة الطيبة والسلوك الحسن.
وما يلفت النظر في العدد أنه لم يعتمد على الأسلوب الوعظي المباشر فقط، بل حرص على تنويع أدواته بين القصة القصيرة وصندوق الحكمة والآيات والتأملات، إدراكًا لطبيعة الطفل واحتياجاته النفسية والمعرفية.
وفي النهاية يمكن القول إن العدد لا يقدم مواد متفرقة، بل يبدو أقرب إلى مشروع تربوي متكامل يسعى إلى غرس فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:
أن الانتصار الحقيقي لا يكون على الآخرين، وإنما على ما بداخلنا من ضعف وظلم وأنانية، وأن بناء الإنسان يبدأ حين يتحول الوعي إلى تربية، وتتحول الأخلاق إلى منهج حياة.





