أدب وثقافة

التاريخ من وراء الستار بقلم / محمد مصطفى كامل

حين انكسر بايزيد أمام تيمور

حين انكسر بايزيد أمام تيمور

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

حين انكسر بايزيد أمام تيمور

المعركة التي سقط فيها السلطان أسيرًا وكادت الدولة العثمانية أن تسقط معه.

في المقال السابق، تركنا دمشق بعد أن خرج منها تيمور، وقد حمل معه أسرارها وصنّاعها وثرواتها، وترك خلفه مدينة أنهكتها الحرب.

لكن تيمور لم يكن قد أنهى مشروعه.

كان الشام محطة.

أما الهدف التالي فكان في الأناضول.

هناك كانت قوة أخرى قد صعدت بسرعة مذهلة.

دولة صغيرة بدأت في أطراف الأناضول، ثم توسعت حتى أصبحت قوة كبرى في البلقان والأناضول.

وكان على عرشها رجل اشتهر بسرعة حركته في الحرب حتى أصبح لقبه:

يلدِرم الصاعقة.

إنه السلطان العثماني بايزيد الأول.

وكان تيمور يعرفه جيدًا.

فكلاهما كان يبني دولة.

وكلاهما كان يتوسع.

وكلاهما يرى الأناضول مجالًا طبيعيًا لنفوذه.

ولذلك لم يعد السؤال هل سيلتقي الرجلان؟

بل أصبح متى؟

رجلان يصعدان في عالم واحد

كان تيمور قد خرج من آسيا الوسطى، وبنى خلال عقود إمبراطورية واسعة امتدت عبر مناطق شاسعة من آسيا.

أما بايزيد، فقد كان يبني قوة عثمانية جديدة في الأناضول والبلقان.

وفي عهده توسع العثمانيون بصورة كبيرة، واستطاعوا تحقيق انتصارات مهمة في أوروبا، حتى أصبحوا قوة يخشاها خصومهم في الغرب والشرق.

وكانت معركة نيقوبوليس سنة 1396م قد رفعت من مكانة بايزيد، بعد انتصاره على حملة صليبية أوروبية كبيرة.

لكن المشكلة لم تكن في أوروبا وحدها.

كان الأناضول نفسه غير مستقر.

فالدولة العثمانية كانت قد أخضعت عددًا من الإمارات الأناضولية، وأخذت أراضيها وضمّتها إلى سلطتها.

وكان بعض أمرائها الذين فقدوا إماراتهم قد وجدوا في تيمور ملجأً وفرصة للعودة.

وهنا التقت مصلحة هؤلاء الأمراء مع مشروع تيمور.

فكل أمير أناضولي ينتظر استعادة أرضه كان يرى في تيمور قوة يمكن أن تعيد له ما أخذه العثمانيون.

وتيمور كان يرى في هؤلاء الرجال أدوات مفيدة لتفكيك قوة بايزيد.

بغداد كانت حاضرة في الخلفية

لم تكن المشكلة بين الرجلين وليدة اللحظة.

كان تيمور قد دخل بغداد سنة 1393م.

وكان السلطان الجلائري أحمد قد فرّ منها، ثم لجأ إلى المماليك، وبعد ذلك وجد ملجأ لدى بايزيد.

وهكذا أصبح لدى تيمور سبب آخر للنظر إلى بايزيد باعتباره خصمًا.

فالرجل الذي يحمي خصومه ليس محايدًا.

والرجل الذي يمدهم بالمأوى يمكن أن يتحول غدًا إلى شريك لهم.

ثم إن بايزيد كان يتوسع في الأراضي التي يعتبرها تيمور ضمن مجال نفوذه.

وأصبح كل طرف يرى الآخر باعتباره عائقًا أمام مشروعه.

وبدأت الرسائل.

ثم اشتدت لهجة الرسائل.

ثم دخلت الكرامة السياسية على الخط.

وهنا تبدأ الحروب أحيانًا قبل أن تتحرك الجيوش.

رسائل لا تحمل السلام

في سنة 1402م أرسل تيمور إلى بايزيد مطالب واضحة.

كان من بينها إعادة بعض الأراضي إلى أمرائها السابقين، ومن ذلك كمال، وتسليم بعض خصوم تيمور، وإظهار نوع من الخضوع السياسي.

وتذكر المصادر التركية أن من مطالب تيمور أيضًا إعادة الأراضي التي استولى عليها العثمانيون من أمراء الأناضول، وتسليم خصومه مثل قره يوسف والسلطان أحمد الجلائري.

لكن بايزيد لم يقبل.

ولم يكن من السهل عليه أن يقبل.

فالموافقة كانت ستعني أن سلطانًا عثمانيًا يعترف عمليًا بأن تيمور يملك حق التدخل في شؤون الأناضول.

وكان بايزيد يرى نفسه صاحب السيادة هناك.

وهكذا لم تعد القضية خلافًا بين رجلين.

أصبحت قضية:

من يملك الأناضول؟

تيمور يتحرك

في سنة 1402م تحرك تيمور غربًا.

لم يكن جيشه جيشًا صغيرًا.

وكانت قوته الأساسية تعتمد بدرجة كبيرة على الفرسان، مع خبرة طويلة في الحركة السريعة والمناورة.

أما بايزيد، فكان في موقف مختلف.

كان يحاصر القسطنطينية.

وكان ضغطه على البيزنطيين كبيرًا.

لكن ظهور تيمور اضطره إلى رفع الحصار والتحرك نحو الأناضول.

وهنا حدث أمر مهم.

كان على بايزيد أن يسير بجيشه مسافة طويلة لمواجهة خصم جاء من الشرق.

وتيمور كان يعرف كيف يجعل الأرض نفسها جزءًا من المعركة.

لم يكن يبحث فقط عن مواجهة مباشرة.

كان يبحث عن المكان والوقت والظروف التي تجعل الجيش العثماني يصل إلى المعركة وهو أقل قدرة على القتال.

إلى أنقرة

تحرك بايزيد بجيشه.

وكان يعتقد أنه يتقدم نحو العدو.

لكن تيمور استخدم المناورة.

وبحسب المصادر، تحرك تيمور بطريقة جعلت جيشه يصل إلى المنطقة الخلفية للعثمانيين، واستفاد من السيطرة على مصادر المياه.

ثم وصل الطرفان إلى منطقة تشوبوك بالقرب من أنقرة.

كان ذلك في يوليو 1402م.

وهناك، في سهل واسع قرب أنقرة، كان جيشان من أكبر القوى العسكرية في العالم الإسلامي في ذلك الوقت يستعدان للمواجهة.

جيش تيمور.

وجيش بايزيد.

والأنظار تتجه إلى السهل.

ليلة المعركة

كان بايزيد قد قطع مسافة طويلة.

وكانت قواته تضم وحدات مختلفة من الأناضول والبلقان، إضافة إلى الإنكشارية وقوات أخرى.

أما جيش تيمور فكان أكثر تنوعًا، وضم فرسانًا من مناطق مختلفة، إضافة إلى أمراء أناضوليين كانوا قد خضعوا له أو انضموا إليه.

وهنا كان لدى تيمور سلاح لا يقل أهمية عن السيف:

معرفة خصمه.

فقد عرف أن داخل جيش بايزيد رجالًا لا يقاتلون بالضرورة من أجل السلطان العثماني.

بعضهم يقاتل لأنه تابع لإمارة ضمها العثمانيون.

وبعضهم ينتظر فرصة لاستعادة أرضه.

وهذا النوع من الجيوش يبدو قويًا على الورق…

لكن قوته تصبح موضع سؤال عندما تبدأ المعركة.

28 يوليو 1402م

في الثامن والعشرين من يوليو سنة 1402م وقعت المعركة الشهيرة في سهل تشوبوك قرب أنقرة. وتؤكد الموسوعة الإسلامية التركية أن هذا التاريخ هو التاريخ المرجح للمعركة، مع وجود اختلافات في بعض المصادر حول التأريخ الدقيق.

بدأ القتال.

اندفعت القوات.

وتقدمت وحدات عثمانية.

واستخدم جيش تيمور الرماة الفرسان والحركة السريعة.

لكن المعركة لم تحسم منذ اللحظة الأولى.

كان لدى بايزيد رجال مقاتلون.

وكانت وحدات البلقان، وعلى رأسها القوات الصربية، تقاتل بشدة.

وكان مركز الجيش العثماني، الذي يقوده بايزيد، لا يزال متماسكًا.

لكن المعركة بدأت تتحول شيئًا فشيئًا.

الماء… سلاح آخر

من أخطر ما فعله تيمور أنه استفاد من السيطرة على مصادر المياه في المنطقة.

وتذكر المصادر أن جيش بايزيد وصل إلى ساحة القتال بعد مسيرة شاقة، بينما كان تيمور قد سيطر على موارد المياه واستفاد من الأرض بطريقة أرهقت الجيش العثماني.

وهذه واحدة من النقاط التي تكشف الفرق بين قائد يخوض المعركة بالسيف…

وقائد يخطط للمعركة قبل أن تبدأ.

فالجيش لا يقاتل فقط بالرجال والأسلحة.

يقاتل أيضًا:

بالوقت.

والماء.

والطريق.

والحرارة.

والغذاء.

والمعلومات.

ومن يملك هذه الأشياء يستطيع أحيانًا أن يهزم جيشًا أكبر مما يبدو عليه.

اللحظة التي تغير فيها كل شيء

كان في جيش بايزيد عدد من القوات التي جاءت من الإمارات الأناضولية التي سبق للعثمانيين إخضاعها.

وكان تيمور قد أعاد بعض أمرائها أو استمالهم.

وفي أثناء المعركة حدث ما كان يخشاه بايزيد.

انشق بعض هؤلاء وانضموا إلى تيمور.

وتشير المصادر إلى أن التتار السود وبعض القوات التابعة للإمارات الأناضولية انتقلوا إلى جانب تيمور، مما أدى إلى إضعاف الجيش العثماني بشدة.

لم يكن ذلك مجرد نقص في عدد الجنود.

كان انهيارًا في الثقة.

لأن الجندي الذي يرى رفاقه يتحولون إلى الجانب الآخر يبدأ في التساؤل:

من بقي معنا؟

ومن سيغادر بعد قليل؟

وهكذا تحولت المعركة إلى سلسلة من الانهيارات.

بايزيد يرفض الفرار

كانت أمام بايزيد فرصة للانسحاب.

وتذكر روايات المعركة أن بعض قادته نصحوه بالخروج من الميدان، لكن السلطان بقي مع قواته.

وكان معه الإنكشارية وعدد من القوات الموالية.

أما القوات الصربية بقيادة ستيفان لازاريفيتش، فقد قاتلت إلى جانب العثمانيين حتى النهاية تقريبًا، وتمكنت من الانسحاب مع بعض أفراد الأسرة السلطانية والخزينة.

أما بايزيد…

فبقي.

وكانت هذه لحظة تحول.

فالجيش الذي كان يقوده السلطان بدأ يتفكك.

والجنود ينسحبون.

والقوات التي كانت تمسك أطراف الجيش تتراجع.

وبقي المركز يقاتل.

لكن المعركة أصبحت أكبر من قدرة الرجال الذين ظلوا حول السلطان.

السلطان الأسير

مع حلول المساء، كان الجيش العثماني قد انهار.

وحاول بايزيد الانسحاب مع عدد محدود من رجاله.

لكن قوات تيمور طاردته.

ثم وقع ما لم يكن أحد يتخيله.

أُسر بايزيد.

سلطان الدولة العثمانية…

الذي كان قبل ساعات يقود جيشًا ضخمًا…

أصبح أسيرًا في يد خصمه.

وتذكر المصادر أن بايزيد أُسر بعد المعركة ونُقل إلى معسكر تيمور، وأنه توفي بعد أشهر في الأسر سنة 1403م.

وكان أسر سلطان عثماني في معركة مفتوحة حدثًا استثنائيًا.

لكن أثره لم يتوقف عند بايزيد.

فالخطر الحقيقي كان على الدولة نفسها.

الدولة التي انكسرت دون أن تنتهي

هنا يجب أن نفرق بين أمرين.

معركة أنقرة لم تُنهِ الدولة العثمانية نهائيًا.

لكنها كسرت بنيتها السياسية مؤقتًا.

كان أبناء بايزيد على قيد الحياة.

ولكل واحد منهم أنصاره.

وبدأت المنافسة بينهم.

وهكذا دخلت الدولة العثمانية في مرحلة عرفت باسم:

فترة الفتنة أو الفترة التي تنازع فيها أبناء بايزيد على السلطنة.

واستمر الصراع أكثر من عشر سنوات، حتى استطاع محمد جلبي أن يفرض سلطته سنة 1413م.

وهنا كانت المفارقة.

تيمور لم يحتج إلى احتلال كل أراضي الدولة العثمانية حتى يحقق هدفه.

لقد ضرب المركز.

وأسر السلطان.

وأعاد عددًا من الإمارات الأناضولية إلى حكامها السابقين.

ثم ترك وراءه دولة عثمانية تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد توازنها.

وماذا فعل تيمور بعد أنقرة؟

لم يقل تيمور:

لقد هزمت بايزيد، وانتهى الأمر.

واصل التحرك في الأناضول.

دخل مدنًا أخرى.

ووصل إلى الساحل الغربي.

ثم اتجه إلى إزمير، التي كانت في ذلك الوقت تحت سيطرة فرسان القديس يوحنا، وحاصرها واستولى عليها في نهاية سنة 1402م.

وهكذا لم يكن انتصار أنقرة حادثًا منفصلًا.

كان جزءًا من حملة أوسع.

لكن تيمور لم يبقَ طويلًا في الأناضول.

فقد كانت له حسابات أخرى.

كان يفكر في العودة إلى الشرق.

وكان يخطط لحملة كبرى جديدة.

الصين.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل قراءة شخصية تيمور مهمة.

فالرجل لم يكن يتحرك بدافع واحد.

كان يبني إمبراطورية مترامية الأطراف، وكل حملة كانت جزءًا من مشروع أوسع.

لماذا لم يذهب تيمور إلى مصر؟

بعد أن هزم العثمانيين، قد يسأل القارئ:

إذا كان تيمور قد استطاع هزيمة بايزيد…

فلماذا لم يكمل طريقه إلى مصر؟

الإجابة أن هدفه لم يكن احتلال كل دولة واجهها.

لقد ضرب المماليك في الشام.

وأضعف العثمانيين في الأناضول.

وأعاد ترتيب عدد من القوى المحلية.

ثم عاد شرقًا.

كما أن دخول مصر كان سيعني حربًا أخرى طويلة، بينما كانت لديه أهداف استراتيجية أخرى في الشرق.

وهنا نجت دولة المماليك من مواجهة ثانية ربما كانت ستكون مختلفة تمامًا.

لكنها لم تخرج من القصة بلا آثار.

فأحداث دمشق كانت قد كشفت هشاشة الموقف المملوكي في الشام.

وأحداث أنقرة كشفت أن تيمور استطاع خلال سنوات قليلة أن يهز قوتين كبيرتين في المنطقة.

بايزيد في الأسر

أما بايزيد نفسه، فكانت نهايته مأساوية.

كان السلطان الذي اشتهر بسرعة الحركة، وأصبح لقبه الصاعقة، قد وجد نفسه محمولًا في معسكر عدوه.

وتختلف الروايات المتأخرة في تفاصيل معاملته وأيامه الأخيرة، ولذلك ينبغي الحذر من القصص التي تصوره في قفص حديدي أو تجعل هذه الصورة حقيقة تاريخية مؤكدة.

الثابت أن بايزيد ظل في الأسر حتى وفاته سنة 1403م.

ومات الرجل…

لكن الدولة التي تركها لم تمت.

وهنا يظهر الفرق بين سقوط الحاكم وسقوط الدولة.

بايزيد سقط.

لكن مشروع الدولة العثمانية بقي حيًا.

وسيتصارع أبناؤه على إرثه.

ثم سيخرج من بينهم رجل سيعيد جمع ما تفرق:

محمد جلبي.

من وراء الستار…

كانت معركة أنقرة أكثر من مواجهة بين سلطانين.

كانت مواجهة بين مشروعين سياسيين.

تيمور أراد أن يفرض نفسه قوة كبرى في الأناضول والعراق والشام.

وبايزيد كان يعمل على توحيد الأناضول تحت سلطة عثمانية واحدة، بالتوازي مع توسع الدولة في البلقان.

وعندما التقى المشروعان في سهل تشوبوك، لم تكن النتيجة مجرد انتصار جيش على جيش.

لقد تغيرت خريطة المنطقة.

انفصلت الإمارات الأناضولية مرة أخرى عن الحكم العثماني.

أُسر السلطان.

ودخلت الدولة العثمانية في صراع داخلي استمر حتى 1413م.

لكن الأهم أن تيمور نفسه لم يكن خالدًا.

فبعد سنوات قليلة، في سنة 1405م، مات وهو في طريقه إلى حملته على الصين.

وهنا تبدو مفارقة التاريخ مرة أخرى:

الرجل الذي هز بغداد ودمشق، وأسَر سلطان العثمانيين، وأعاد رسم خرائط واسعة من آسيا إلى الأناضول، لم يستطع أن يجعل إمبراطوريته تدوم بالطريقة التي أرادها.

لأن القوة التي تعتمد على شخص واحد قد تبلغ أقصى اتساعها في حياته.

ثم تبدأ في التراجع بعد غيابه.

أما الدولة التي تستطيع أن تصنع مؤسسات تتجاوز الأشخاص، فهي التي تملك فرصة البقاء.

وهنا سنعود مرة أخرى إلى مصر.

فبينما كان تيمور يضرب المشرق والأناضول، كان العرش المملوكي في القاهرة يواجه مشكلته القديمة:

سلطان شاب، وأمراء لا يهدأون.

وبعد أن خرج تيمور من المشهد، لم تنتهِ الفوضى.

بل بدأت مرحلة جديدة في مصر والشام.

مرحلة سيظهر فيها صراع طويل بين الناصر فرج وكبار الأمراء، وستعود القاهرة إلى سؤالها القديم:

من يحكم الدولة السلطان أم الأمراء؟

ومن هنا تبدأ الحكاية التالية:

حين عاد الصراع إلى القاهرة

فرج بن برقوق والسلطنة التي خرجت من حصار تيمور لتدخل حصار الأمراء

 

زر الذهاب إلى الأعلى