التعليم مشروع وطني … من وفرة المعرفة إلى قيادتها
د م مدحت يوسف
6 سبتمبر 2026
لم يكن الجدل حول التعليم وليد اليوم ولم يرتبط بقرار أو مسؤول بعينه بل هو امتداد لمسيرة طويلة من محاولات الإصلاح تغيرت خلالها المناهج والامتحانات ونظم التقييم وتعددت الرؤى دون أن تنتظم دائما داخل مشروع وطني تتراكم فيه الخبرات وتستمر غاياته مع تغير المسؤولين
وقد اتسعت دوائر النقاش لتشمل أولياء الأمور والمعلمين والمتخصصين ثم انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي وامتد السجال إلى بعض المسؤولين عن صناعة القرار من خلال التصريحات والردود المتبادلة ورغم أن ذلك يعكس اهتمام الجميع بمستقبل الأبناء فإن استمراره بهذه الصورة قد يقود إلى نتائج عكسية فيتحول الجهد من فهم القضية إلى الدفاع عن المواقف وتختلط المعرفة بالانطباعات وتتشتت الأسرة والطالب ويتراجع وضوح المسار
لذلك لا ينبغي إغلاق باب الحوار ولا التقليل من قيمة المشاركة المجتمعية بل يجب الارتقاء بها من ردود الأفعال إلى مشاركة مؤسسية تستمع إلى الجميع وتفحص الآراء وتوازن بينها وتحولها إلى معرفة تدعم القرار بدلا من أن تزيد المشهد ارتباكا
فالتعليم لا يمكن أن يدار بمنطق الغلبة في النقاش ولا بسرعة التفاعل على المنصات لأنه لا يعالج لحظة عابرة بل يبني إنسانا تتشكل من خلاله الدولة على مدى أجيال
وقد أكدت المتابعة المستمرة للقيادة السياسية لملف التعليم وتكرار اجتماعاتها مع المسؤولين عنه واهتمامها بجودة التعليم وتأهيل المعلمين وتحديث المناهج وربط المخرجات بسوق العمل أن التعليم يحتل موقعا محوريا في رؤية الدولة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل
ويجب أن يتحول هذا الحرص إلى بناء مؤسسي يضمن استقرار الرؤية واستمرارها من خلال هيئة وطنية عليا للتعليم تكون مرجعيتها القيادة السياسية وتضم مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز البحوث والمعلمين وأولياء الأمور وخبراء الاقتصاد والاجتماع والتكنولوجيا وسوق العمل
تتولى هذه الهيئة وضع رؤية ممتدة تبدأ من مرحلة التمهيدي وتصل إلى الجامعة والتأهيل للحياة والعمل ثم تترجمها إلى خطط مرحلية ومؤشرات واضحة للقياس والمراجعة بحيث يصبح كل قرار تعليمي خطوة محسوبة داخل مسار الدولة لا استجابة وقتية لموقف قائم
ولا تنتقص هذه الهيئة من اختصاص الوزارة بل تمنحها مرجعية مستقرة وتدعمها بالعلم والخبرة وتجعل وزير التعليم قائدا لتنفيذ رؤية وطنية وتطوير آلياتها وفقا للنتائج فلا تبدأ المنظومة من جديد مع كل وزير ولا تفقد ما اكتسبته من خبرات بتغير الأشخاص
فالتعليم أمن قومي ليس لأنه قطاع يقدم خدمة عامة فقط بل لأنه يصوغ العقل ويحفظ الهوية ويصنع القدرة على الإنتاج والمنافسة ويحدد مكانة الوطن في المستقبل
والرؤية التي نحتاجها لا ينبغي أن تنشغل بالحاضر وحده بل عليها أن تستشرف العالم الذي سيعيشه الطفل الذي يبدأ تعليمه اليوم عندما يصل بعد أكثر من عقدين إلى سوق العمل
إننا لا ندعي معرفة الغيب لكننا نمتلك من العلماء والباحثين والمفكرين ما يمكننا من قراءة تحولات الماضي وتحليل معطيات الحاضر واستشراف ما يمكن أن تحمله العقود المقبلة من تغيرات في طبيعة الوظائف والمهارات وأدوات الإنتاج وصناعة القرار
لقد تغيرت طبيعة المعرفة نفسها
فبعد أن كانت محدودة المصادر ويتطلب الوصول إليها وقتا وجهدا أصبحت متاحة في كل لحظة من خلال الكتب والمنصات الرقمية ومحركات البحث ووسائل الإعلام وشبكات التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي
ولذلك لم تعد الأزمة في نقص المعلومات بل قد تصبح في كثرتها وتعارضها وسرعة تدفقها فالإنسان قد يعرف الكثير دون أن يفهم وقد يصل إلى الإجابة دون أن يدرك سياقها وقد يمتلك المعلومة دون أن يستطيع تحويلها إلى قرار صحيح
ومن هنا لم تعد غاية التعليم أن يمنح الطالب المعرفة فقط بل أن يبني لديه الوعي الفكري الذي يمكنه من التحقق من مصادرها والتمييز بين الحقيقة والرأي وفهم السياق واكتشاف التحيز وتحليل البدائل واستخلاص النتائج ثم اتخاذ القرار في ضوء القيم والمسؤولية
فالانتقال الحقيقي الذي يفرضه هذا العصر هو الانتقال من امتلاك المعرفة إلى قيادتها
وقيادة المعرفة لا تعني جمع أكبر قدر من المعلومات بل تعني القدرة على اختيار ما نحتاج إليه منها وتنظيمه وتحليله وربطه بالواقع ثم تحويله إلى حل أو ابتكار أو قرار أو أثر نافع
كما أن الغاية لم تعد مجرد تطبيق الذكاء الاصطناعي في التعليم فقد أصبح واقعا حاضرا في حياة الطالب والمعلم والمؤسسة ولم يعد إدخاله إلى المنظومة إنجازا مستقلا
التحدي الأعمق هو كيف يقود الإنسان الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكا معرفيا يستعين به في البحث والتحليل وإنتاج البدائل دون أن يتنازل له عن استقلال العقل أو حق الاختيار أو مسؤولية القرار
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات ويحللها ويقترح الإجابات لكنه لا يحمل وحده وعي الغاية ولا منظومة القيم ولا المسؤولية الأخلاقية عن النتائج
ومن هنا تبقى القيادة للإنسان فهو الذي يطرح السؤال الصحيح ويتحقق من الإجابة ويفهم السياق ويقدر العواقب ويوجه المعرفة نحو خدمة المجتمع وبناء الوطن
وهذا التحول لا يتحقق بإضافة أداة تقنية أو تغيير امتحان بل يتطلب إعادة التفكير في فلسفة التعليم ودور المعلم والطالب والمنهج والتقويم
نحتاج إلى طالب يبحث ويحلل ويستنتج وينتج المعرفة وإلى معلم يقود التعلم ويبني الوعي ويصمم الخبرات وإلى تقويم يقيس الفهم والتفكير وحل المشكلات لا مجرد القدرة على استعادة المعلومات
ويقتضي ذلك العمل في مسارين متكاملين
مسار يدير الحاضر بحكمة ويصحح ما يمكن تصحيحه في المنظومة القائمة دون إرباك الطلاب والأسر والمعلمين
ومسار يبني من الجذور نظاما تعليميا عصريا مرنا يحافظ على الهوية ويستجيب لمتطلبات المجتمع ويظل قابلا للتطور مع تغير المستقبل
ولا يعني بناء تعليم جديد إلغاء ما سبق فمصر تمتلك تاريخا تربويا وخبرات متراكمة وتعليما أنجب علماء ومفكرين أسهموا في نهضة الوطن والعالم
المطلوب أن نحافظ على عناصر القوة وأن نصحح ما أصابه من خلل وأن نبني فوقه ما يناسب العصر فلا يكون التجديد هدما للخبرة ولا يكون الاعتزاز بالماضي مبررا للجمود
وهذه مسؤولية لا تخص الوزارة وحدها بل تشارك فيها الدولة والأسرة والطالب والمعلم والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع فاختلاف الأدوار لا يغير وحدة الغاية وهي بناء إنسان واع يحمي هويته ويقود المعرفة ويشارك في صناعة مستقبل وطنه
نحن لا نقف مع أو ضد محاولات التطوير بل ندعو إلى وضعها داخل مشروع وطني يتعلم من الماضي ويدير الحاضر بعقل ويستشرف المستقبل بعلم ويستبدل السجال بالحوار المؤسسي والانفعال بالتحليل ورد الفعل بالتخطيط
ومن هنا نبدأ
بتعليم تحكمه رؤية وطنية وتدعمه هيئة مرجعيتها القيادة السياسية ولا يكتفي بنقل المعرفة أو استخدام التكنولوجيا بل يبني إنسانا يمتلك الوعي الفكري ويقود الذكاء الاصطناعي شريكا معرفيا ويوجه المعرفة نحو بناء الوطن وصناعة المستقبل







