الحب الذي أبكى أبا بكر
بقلم / محمـــد الدكـــروري
حينما أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة، اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون رفيقه في هجرته، وظلا ثلاثة أيام في غار ثور، وحينما وقف المشركون أمام الغار، حزن أبو بكر وخاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلي قدميه، لأبصرنا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم “ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ” رواه البخاري، وهذا الحب هو الذي أبكى أبا بكر فرحا بصحبته صلى الله عليه وسلم، وإن هذا الحب هو الذي أرخص عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه كل ماله ليؤثر به الحبيب صلى الله عليه وسلم على أهله ونفسه، وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت “هل قلت في أبي بكر شيئا”؟ فقال نعم، فقال “قل وأنا أسمع”
فقال وثاني اثنين في الغار المنيف وقد، طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا، وكان حِبّ رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا” فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه، ثم قال “صدقت يا حسان هو كما قلت ” فلقد ضرب الصديق رضي الله عنه مثلا رائعا في أن الصداقة مبادئ ومواقف وليست شعارات وأقوال، ولا شك أن للهجرة النبوية الشريفة دروس لا تحصى ولا تعد ولكن كان من أول هذه الدروس هو الأخذ بالأسباب حيث بذل رسول الله صلي الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه كل ما في طاقتهما لإنجاح عملية الهجرة، وهذا هو الإعداد المطلوب من المؤمنين، أن يعدوا ما يستطيعون، وما فوق الاستطاعة ليس مطلوبا منهم كما قال الله تعالي ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” لكننا نلاحظ أن الخطة قد حدث فيها بعض الثغرات.
الخارجة عن حدود التخطيط البشري، فالمشركون قد وصلوا إلى بيت الرسول المصطفي صلي الله عليه وسلم قبل الموعد الذي كان يظنه، ويرتب خطته على أساسه، والمطاردون وصلوا إلى باب غار ثور، وسراقة بن مالك استطاع أن يصل إلى النبي صلي الله عليه وسلم وصحبه، وبريدة الأسلمي وقومه وصلوا للرسول صلي الله عليه وسلم ولكن الدرس هنا أنك إذا قمت بما عليك وأخذت بما تستطيع، وإن الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وهي الهجرة الثانية بعد هجرة المسلمين للحبشة، تمثل حدثا تاريخيا عظيما، إذ منه إنطلقت الدولة الإسلامية وإنتشر الإسلام بعد أن كان محصورا بين شعاب مكة المكرمة، وقد سبق الهجرة إلى المدينة تمهيد وإعداد وتخطيط، وكان ذلك بتقدير الله تعالى، وتدبيره.
وكان هذا الإعداد في اتجاهين وهما إعداد في شخصية المهاجرين، وإعداد في المكان المهاجر إليه، ولم تكن الهجرة نزهة ولكنها مغادرة الأرض، والأهل، وأسباب الرزق، والتخلي عن كل ذلك من أجل العقيدة، ولهذا احتاجت إلى جهد كبير، حتى وصل المهاجرون إلى قناعة كاملة بهذه الهجرة، ومن تلك الوسائل هو التربية الإيمانية العميقة، والاضطهاد الذي أصاب المؤمنين، وتناول القرآن المكي التنويه بالهجرة، ولفت النظر إلى أن أرض الله واسعة، حيث قال الله تعالى ” قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب ” وكما نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يسارع بالإنتقال إلى الأنصار من الأيام الأولى وإنما أخّر ذلك لأكثر من عامين.
حتى تأكد أن الإستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله، وذلك بطلبهم هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، وإنه بعد أن مُنيت قريش بالفشل في منع الصحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة فقد أدركت خطورة الموقف، وخافوا على مصالحهم الاقتصادية لذلك اجتمعت قريش في دار الندوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدعوة، فأذن الله تعالي لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وقد أعلنت قريش في نوادي مكة أنه من يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم، حيّا أو ميتا فله مائة ناقة وطمع سراقة بن مالك بن جعشم في نيل الكسب، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه ساعة الظهيرة متقنعا على غير عادته، فقال لأبي بكر رضي الله عنه ” أخرج من عندك” فقال أبو بكر إنما هم أهلك، قال صلي الله عليه وسلم “فإني قد أذن لي في الخروج” فقال أبو بكر رضي الله عنه الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “نعم”








