الحكاية الحقيقية لحطين.
بقلم / محمد مصطفى كامل
هناك معارك يكتب التاريخ يومها في السجلات، لكن بدايتها الحقيقية تكون قد سبقت ذلك اليوم بسنوات.
وحطين واحدة من هذه المعارك.
فحين نقرأ أن صلاح الدين واجه جيش مملكة بيت المقدس في الرابع من يوليو سنة 1187م، قد يبدو الأمر وكأن جيشين التقيا فجأة، وانتهى الصراع بانتصار أحدهما وسقوط الآخر.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
فخلف ذلك اليوم كانت هناك دولة إسلامية تتشكل ببطء، وصلاح الدين ينتقل من أمير يحاول تثبيت سلطانه إلى قائد يملك مصر والشام ويستطيع جمع جيوش من أقاليم متعددة.
وفي الجهة الأخرى كانت مملكة بيت المقدس تبدو قوية من الخارج، بينما كانت الخلافات على السلطة، وتضارب المصالح، وضعف القرار السياسي، تمزقها من الداخل.
وبين الطرفين كانت هدنة هشة، كان يمكن أن تمنح الجميع وقتًا إضافيًا، لولا أن بعض القرارات دفعت بها نحو نهايتها.
وهنا يظهر السؤال الذي يحاول هذا المقال أن يجيب عنه!!!!
هل بدأت حطين عندما التقت الجيوش؟
أم أن المعركة كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات، في غرف الحكم، وعلى طرق القوافل، وفي صراعات الأمراء، وفي القرارات التي اتخذها رجال لم يدركوا أن بعض الأخطاء لا تنتهي عند لحظة ارتكابها؟
في هذا المقال لن نقف عند ساحة حطين وحدها.
سنعود خطوة إلى الوراء، لنرى كيف وصل الطرفان إلى تلك اللحظة، وكيف تحولت الهدنة إلى شرارة، والانقسام إلى ضعف، والصبر إلى قرار، وكيف استطاع صلاح الدين أن يحول سنوات من بناء القوة إلى فرصة عسكرية لم تتكرر كثيرًا في تاريخ الحروب الصليبية.
سنقترب من أرناط، ومن غي دي لوزينيان، ومن ريموند الثالث، ومن صلاح الدين نفسه؛ لا باعتبارهم شخصيات منفصلة في حكاية واحدة، وإنما باعتبارهم أطرافًا في شبكة من القرارات والمصالح والصراعات.
فحطين لم تكن مجرد معركة انتصر فيها صلاح الدين.
كانت اللحظة التي اصطدمت فيها سنوات من البناء بسنوات من الانقسام.
وحين ارتفع غبار المعركة، لم يكن السؤال فقط من انتصر؟
بل كان السؤال الأكبر،!!!!
ماذا يحدث عندما يسقط الجيش الذي كان يقف بين دولة منتصرة ومدينة تنتظر مصيرها؟
من هنا نرفع الستار.
لم تكن حطين معركة وُلدت في صباح الرابع من يوليو سنة 1187م.
فاللحظة التي التقت فيها الجيوش لم تكن سوى النهاية الظاهرة لصراع طويل، بدأت تفاصيله قبل ذلك بسنوات؛ حين كان صلاح الدين يبني دولة تتسع من مصر إلى الشام، بينما كانت مملكة بيت المقدس تحاول أن تبقى واقفة وسط صراعاتها الداخلية.
وبين الطرفين كانت هناك هدنة تبدو على الورق كأنها تمنع الحرب، لكنها في الحقيقة كانت تخفي تحتها توترًا يزداد يومًا بعد يوم.
ثم جاء أرناط.
رجل لم يرَ في الهدنة ما يراه الآخرون، ولم يدرك أن غارة على قافلة يمكن أن تكون الشرارة التي تنتظرها المنطقة كلها.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لحطين.
فقبل أن نرى صلاح الدين في ساحة المعركة، علينا أن نفهم كيف وصل إليها؛ وكيف تحولت مملكة بيت المقدس من قوة تحاول الصمود إلى دولة ممزقة القرار، وكيف انتقل صلاح الدين من مجرد انتظار اللحظة إلى صناعة اللحظة نفسها.
هذه ليست قصة معركة بدأت بالسيوف.
إنها قصة سنوات من القرارات، والأخطاء، والانقسامات، والصبر انتهت في النهاية إلى مكان واحد، حطين.
حين اقتربت حطين
أرناط يشعل النار، وصلاح الدين ينتظر اللحظة التي أصبح فيها الصدام حتميًا
أحيانًا لا تبدأ الحروب عندما تُرفع الرايات، ولا عندما تتحرك الجيوش.
تبدأ قبل ذلك بكثير.
تبدأ عندما يتوقف أحد الطرفين عن احتمال الآخر.
وتبدأ حين تصبح الهدنة أضعف من أن تمنع رجلًا واحدًا من إشعالها.
وهذا بالضبط ما حدث بين صلاح الدين ومملكة بيت المقدس.
فبعد سنوات طويلة من بناء القوة، وتوحيد مصر والشام، والصراع مع الزنكيين، والمفاوضات مع الصليبيين، أصبح صلاح الدين في نهاية المطاف أمام دولة صليبية لم تعد كما كانت في زمن نور الدين.
لكن المشكلة أن الطرفين لم يكونا يتحركان بالمنطق نفسه.
صلاح الدين كان يبني القوة وينتظر اللحظة.
أما داخل مملكة بيت المقدس، فكان الصراع على السلطة يأكل ما تبقى من القوة.
وكان هناك رجل واحد تقريبًا يبدو وكأنه لا يخشى أن يشعل النار في المنطقة كلها.
اسمه،أرناط.
رجل سيصبح اسمه مرتبطًا في ذاكرة المسلمين بأكثر لحظات الصدام توترًا قبل حطين.
لكن لفهم أرناط، علينا أولًا أن نفهم حالة المملكة التي كان يعيش فيها.
وهنا يبدأ الستار في الارتفاع من جديد.
مملكة القدس التي بدأت تأكل نفسها
في السنوات التي كان فيها صلاح الدين يجمع مصر ودمشق وحلب تحت سلطته، كانت مملكة بيت المقدس تمر بأزمة داخلية عميقة.
الملك بلدوين الرابع، الذي عرف في التاريخ بالملك الأبرص، كان قد حكم في ظروف شديدة الصعوبة، وحاول أن يحافظ على المملكة رغم مرضه والصراعات المحيطة به.
ثم مات.
ومات بعده وريثه الصغير بلدوين الخامس.
وكانت المشكلة أن المملكة لم تكن تملك رفاهية الفراغ.
ففي الخارج كان صلاح الدين يزداد قوة.
وفي الداخل كان النبلاء يتصارعون حول سؤال واحد!!!
من يحكم؟
وانتهى الأمر بوصول غي دي لوزينيان إلى العرش، زوج سيبيلا، شقيقة بلدوين الرابع.
لكن وصوله لم يكن يعني أن الجميع أصبحوا خلفه.
بل على العكس.
كان داخل المملكة فريق يرى أن غي رجل ضعيف سياسيًا، وأنه ليس القائد الذي تستطيع المملكة أن تواجه به صلاح الدين.
وفي مقدمة خصومه كان ريموند الثالث، أمير طرابلس، أحد أكثر رجال المملكة خبرة وحذرًا.
وهكذا أصبحت مملكة بيت المقدس أمام مشكلة قاتلة،
كانت تحتاج إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى، لكنها كانت أكثر انقسامًا من أي وقت مضى.
وهذا هو الشيء الذي كان صلاح الدين يراقبه بعناية.
صلاح الدين لم يكن يريد الحرب بعد
قد يبدو هذا غريبًا.
كيف لرجل قضى سنوات في توحيد القوى الإسلامية أن لا يريد الحرب؟
لكن صلاح الدين كان يعرف أن الحرب الكبرى لا ينبغي أن تبدأ لمجرد أن الفرصة متاحة.
كان يريد أن يبدأها عندما يكون الطرف الآخر في أسوأ حالاته، وهو في أفضل حالاته.
لقد تعلم خلال سنوات صراعه أن الجيوش لا تنتصر بالعدد وحده.
وأن الدولة لا تدخل حربًا كبرى قبل أن تتأكد من قدرتها على تمويلها، وإمدادها، وتحريك قواتها، والمحافظة على تماسكها.
ولهذا كانت الهدنة بالنسبة إليه أداة سياسية، وليست علامة ضعف.
كان يستطيع أن يلتقط أنفاسه.
ويعيد تنظيم قواته.
ويجمع رجاله.
ويراقب خصومه.
وينتظر.
وكانت الهدنة القائمة بين الطرفين تمنحه هذا الوقت.
لكن رجلًا واحدًا لم يكن يبدو مستعدًا لترك الأمور تسير بهدوء.
أرناط، الرجل الذي لم يعرف معنى الهدنة
كان أرناط، أو رينالد دي شاتيون، واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الحروب الصليبية.
لم يكن مجرد أمير محلي.
كان صاحب نفوذ في منطقة شرق الأردن، وامتلك قلعة الكرك، وهي موقع شديد الأهمية يتحكم في طرق الحركة بين مصر وبلاد الشام.
وكان يعرف أن موقعه يمنحه قدرة على تهديد طرق التجارة والقوافل.
وكان أكثر اندفاعًا من كثير من قادة المملكة.
وبينما كان صلاح الدين يحاول أن يحافظ على الهدنة ويستعد للمستقبل، بدأ أرناط يتصرف وكأن الهدنة لا تعنيه.
وفي أواخر سنة 1186م أو أوائل سنة 1187م، هاجم قافلة تجارية كانت تسير بين مصر ودمشق، رغم وجود هدنة بين الطرفين.
لم تكن المسألة مجرد غارة عابرة.
فالقافلة كانت تحمل أموالًا وبضائع وأشخاصًا، وأدى الهجوم إلى أسر عدد من أفرادها والاستيلاء على ما فيها.
وكان صلاح الدين قد اعتبر ذلك خرقًا صريحًا للهدنة.
وطلب التعويض وإطلاق الأسرى.
لكن أرناط لم يتراجع.
وهنا تغير كل شيء.
المصادر التاريخية تختلف في بعض تفاصيل قصة القافلة، وخصوصًا الروايات اللاحقة التي ربطت الحادثة مباشرة بأخت صلاح الدين، وهي رواية ينبغي التعامل معها بحذر؛ لكن الثابت تاريخيًا أن اعتداء أرناط على قافلة في فترة الهدنة كان من العوامل المباشرة في انهيار الهدنة وعودة الصراع.
وهنا لم يعد السؤال !!!
هل ستقع الحرب؟
بل أصبح متى ستقع؟
صلاح الدين يرسل الرسالة الأخيرة
لم يكن صلاح الدين يريد أن يُتهم بأنه بدأ الحرب دون سبب.
ولهذا حاول أن يحصل على حقه بالوسائل السياسية أولًا.
أرسل إلى غي دي لوزينيان، وطلب منه أن يجبر أرناط على إعادة ما أخذه.
لكن غي لم يكن يملك القوة السياسية الكافية لفرض إرادته على كل أمراء مملكته.
وأرناط كان يعلم ذلك.
وهنا كانت الكارثة.
لأن صلاح الدين لم يعد يواجه رجلًا خالف الهدنة فقط.
كان يواجه نظامًا سياسيًا غير قادر على معاقبة من خالفها.
وهذا يعني شيئًا واحدًا،أن الهدنة أصبحت بلا قيمة.
فالدولة التي لا تستطيع حماية اتفاقاتها، لا تستطيع أن تطلب من خصمها احترامها.
وفي هذه اللحظة بدأ صلاح الدين يتحرك.
لكن قبل أن تتحول الأزمة إلى حرب شاملة، كان عليه أن ينهي آخر اختبار.
من الانقسام إلى الوحدة مرة أخرى
كان ريموند الثالث، أمير طرابلس، يعرف أن الدخول في حرب شاملة مع صلاح الدين في تلك اللحظة قد يكون كارثة.
وكان يرى أن مصلحة المملكة تقتضي تجنب المواجهة.
لكن الخلاف بينه وبين غي دي لوزينيان جعل موقفه شديد التعقيد.
كان ريموند قد دخل في تفاهم مع صلاح الدين، وأصبح هذا التفاهم نفسه مادة للشك والاتهام داخل المملكة.
وهكذا أصبح الرجل الذي كان يحاول منع الحرب يُتهم بأنه يساعد عدو المملكة.
وفي ربيع سنة 1187م وصل الصراع الداخلي إلى ذروته.
لكن صلاح الدين لم يكن يريد أن يترك هذا الانقسام دون استغلال.
فأرسل قواته في غارة استطلاعية قرب طبريا، في إطار التفاهم القائم مع ريموند.
وكانت تلك اللحظة خطيرة للغاية.
فالقوات الإسلامية أصبحت قريبة من الأراضي التابعة للمملكة.
وأصبح ريموند نفسه في موقف لا يحسد عليه.
إذا سمح للقوات الإسلامية بالمرور، اتهم بالخيانة.
وإذا منعها، دخل في صدام مع صلاح الدين.
لكن الأخطر كان ما سيحدث بعد ذلك.
معركة كريشون، الإنذار الذي لم يسمعه أحد
في الأول من مايو سنة 1187م وقعت مواجهة عند عين جوزين، المعروفة في المصادر الغربية بمعركة كريشون.
كانت قوة صليبية صغيرة قد خرجت لمواجهة قوات صلاح الدين، وانتهت المواجهة بهزيمة قاسية للصليبيين.
وكان من بين قادة القوة جيرار دي ريدفور، رئيس فرسان الهيكل.
لم تكن المعركة هي حطين.
لكنها كانت شيئًا أخطر!!!
كانت إنذارًا.
لقد أصبح واضحًا أن صلاح الدين لا يختبر حدود المملكة فقط.
لقد بدأ يختبر قدرتها على القتال.
والنتيجة لم تكن مطمئنة للصليبيين.
كانت قوات صلاح الدين تتحرك بسرعة.
وكانت المملكة منقسمة.
والجيش الصليبي لم يكن قد جمع قوته بعد.
ومع ذلك، ظل بعض قادتها يعتقدون أن بإمكانهم مواجهة صلاح الدين إذا اجتمعت قواتهم.
وهنا ارتكب التاريخ خطأه الأكبر.
صلاح الدين يجمع الجيش
في دمشق بدأت الجيوش تتجمع.
ولم يكن هذا جيشًا خرج من مدينة واحدة.
لقد كان ثمرة سنوات من بناء الدولة.
قوات من مصر.
وقوات من الشام.
وأمراء من المناطق التي دخلت تحت سلطان صلاح الدين.
وقوات من الموصل وغيرها من المناطق التي ارتبطت بنظامه السياسي.
لقد أصبح صلاح الدين يملك ما لم يكن يملكه قبل سنوات،
القدرة على جمع قوة كبيرة من مناطق متعددة تحت قيادة واحدة.
وهنا يظهر الفرق بين صلاح الدين الذي دخل دمشق سنة 1174م، وصلاح الدين الذي كان يقف سنة 1187م أمام مملكة بيت المقدس.
الأول كان أميرًا صاعدًا.
أما الثاني فأصبح رأس منظومة سياسية وعسكرية واسعة.
وهذا هو السبب في أن حطين لم تكن معركة مفاجئة.
كانت نتيجة سنوات من البناء.
أرناط لم يتوقف
لكن أرناط لم يكتفِ بما حدث.
كان يملك الكرك، وكان موقعه يسمح له بتهديد طرق القوافل.
والأخطر أنه كان يفكر في أبعد من ذلك.
فقد ظهرت منه أعمال تهدد طرق التجارة والحجاج، وهو ما جعل اسمه يتحول من مجرد أمير متمرد إلى رمز للاستفزاز المستمر في نظر صلاح الدين.
وهنا أصبحت المسألة شخصية وسياسية في الوقت نفسه.
صلاح الدين لم يكن يريد أن يجعل الحرب مع أرناط قضية ثأر.
لكنه كان يعرف أن بقاء أرناط قادرًا على ضرب القوافل والطرق يعني أن أي هدنة مستقبلية ستكون بلا قيمة.
ولهذا ارتبط اسم أرناط في ذهن صلاح الدين بضرورة التخلص من الخطر الذي يمثله.
لكن صلاح الدين لم يكن يبحث عن أرناط وحده.
كان يبحث عن الجيش الذي سيقف خلفه.
القرار الذي غير كل شيء
في صيف سنة 1187م أصبح الجيش الإسلامي جاهزًا.
وكانت مملكة بيت المقدس أمام لحظة لم تعرف مثلها منذ سنوات.
إما أن تبقى في مواقعها المحصنة، وتحافظ على المياه، وتمنع صلاح الدين من جرها إلى معركة في المكان الذي يختاره.
أو تتحرك.
والتحرك كان يعني شيئًا خطيرًا،
ترك المناطق الآمنة.
والابتعاد عن مصادر المياه.
والدخول إلى أرض يستطيع فيها صلاح الدين استخدام تفوقه في الحركة والمناورة.
وكان هذا بالضبط ما كان يريده.
لأن صلاح الدين لم يكن يبحث عن معركة عادية.
كان يريد أن يجعل الجيش الصليبي يتحرك إلى المكان الذي اختاره هو.
طبريا، الطُعم الذي لم يكن طُعمًا عاديًا
في أواخر يونيو وبداية يوليو 1187م بدأ صلاح الدين يتحرك.
واتجهت قواته نحو منطقة طبريا.
وكانت طبريا مهمة لسببين.
الأول أنها مدينة ذات أهمية استراتيجية.
والثاني أن سقوطها سيضع غي دي لوزينيان أمام قرار بالغ الصعوبة.
هل يبقى في موقعه الآمن؟
أم يخرج لإنقاذ المدينة؟
كان ريموند الثالث يعرف الإجابة التي يراها أكثر أمانًا.
البقاء.
فالمياه في صفورية، حيث تجمع الجيش الصليبي، كانت متاحة.
والأرض أفضل.
والجيش يستطيع الانتظار.
وكان بإمكان صلاح الدين أن يهاجم.
لكن الهجوم على جيش صليبي متحصن في موقع جيد لم يكن ما يريده.
صلاح الدين كان يريد أن يخرج الجيش من مكانه.
وهنا حدث ما كان ينتظره.
حين انتصر صوت الحرب على صوت الحذر
في الثاني من يوليو تقريبًا، كان الجيش الصليبي لا يزال في صفورية.
وكانت طبريا تتعرض لهجوم صلاح الدين.
وكانت زوجة ريموند الثالث، إيشيفا، داخل المدينة.
وهنا أصبح الموقف شخصيًا بالنسبة إلى ريموند.
ومع ذلك، ظل يرى أن الذهاب إلى طبريا هو القرار الخطأ.
لكن داخل معسكر الصليبيين كانت أصوات أخرى تضغط.
كان هناك من يرى أن ترك طبريا تسقط يعني إظهار الضعف.
وكان غي دي لوزينيان أمام ضغط سياسي وعسكري هائل.
ثم جاء القرار.
الجيش سيتحرك.
وهنا، في تلك اللحظة بالذات، بدأت حطين.
ليس في الرابع من يوليو.
بل عندما ترك الجيش الصليبي الماء.
من صفورية إلى حطين
تحرك الجيش في اتجاه طبريا.
وكان صلاح الدين يعرف الأرض.
ويعرف المسافات.
ويعرف أين توجد المياه.
ويعرف أن جيشًا ثقيلًا يضم عددًا كبيرًا من الفرسان والمشاة لا يتحرك في الصيف كما تتحرك قواته السريعة.
بدأت القوات الإسلامية تضغط على المسيرة.
لم تكن الفكرة مجرد الدخول في معركة مباشرة.
بل إرهاق الجيش.
إجباره على الاستمرار.
منعه من الوصول بسهولة إلى الماء.
وإبقاؤه تحت الضغط.
وهكذا أصبح كل ميل يقطعه الجيش الصليبي يقرّبه من المشكلة.
حتى وصل إلى منطقة حطين.
وهناك كان الماء بعيدًا.
والحرارة شديدة.
والجيش قد أنهكه السير.
وفي تلك اللحظة لم يعد القرار بيد الجيش وحده.
أصبح القرار بيد الظروف.
ليلة لا تشبه أي ليلة
في تلك الليلة لم يكن الجيشان في الوضع نفسه.
قوات صلاح الدين كانت في مواقع تسمح لها بالحركة والوصول إلى مصادر المياه.
أما الجيش الصليبي فكان قد وصل إلى منطقة أكثر صعوبة.
وكانت محاولاته للوصول إلى الماء تواجه ضغطًا متواصلًا.
وتصف روايات قريبة من الأحداث كيف عانى الجيش الصليبي من العطش والإرهاق، بينما ظل صلاح الدين يضغط عليه ويمنعه من استعادة المبادرة.
وفي تلك اللحظة أصبح واضحًا أن المعركة لن تكون مجرد مواجهة بين جيشين.
لقد أصبحت مواجهة بين جيش يملك المبادرة، وجيش فقدها.
وبين قائد اختار أرض المعركة، وقائد اضطر إلى السير إليها.
وبين دولة أمضت سنوات في بناء قوتها، ومملكة دخلت المعركة وهي تحمل خلافاتها معها.
لماذا كانت حطين أكبر من معركة؟
لأن صلاح الدين لم يكن يريد قتل أكبر عدد ممكن من الجنود.
كان يريد إسقاط القدرة العسكرية للمملكة.
وهذا فرق جوهري.
إذا انتصر في معركة صغيرة، يمكن للصليبيين أن يعيدوا تشكيل جيشهم.
أما إذا تمكن من تدمير الجيش الرئيسي للمملكة وأسر قادتها، فسوف تتغير الخريطة كلها.
ولهذا كان هدفه الحقيقي هوالجيش قبل المدينة.
فالقدس لا يمكن أن تسقط بسهولة ما دام الجيش الذي يحميها موجودًا.
والقلاع لا يمكن السيطرة عليها كلها ما دام بإمكان المملكة جمع جيش جديد.
لكن إذا سقط الجيش الرئيسي؟
فإن المدن تبدأ في السقوط واحدة بعد الأخرى.
وهكذا كانت حطين في عقل صلاح الدين أكبر بكثير من معركة.
كانت عملية لتغيير ميزان القوة في المنطقة.
والآن أصبح أرناط قريبًا
في ذلك الجيش كان غي دي لوزينيان.
وكان ريموند الثالث.
وكان جيرار دي ريدفور.
وكان عدد كبير من كبار أمراء المملكة.
وكان بينهم الرجل الذي انتظر صلاح الدين طويلًا حتى يقع في يده،
أرناط.
الرجل الذي خرق الهدنة.
والذي رفض إعادة ما أخذه.
والذي أصبح رمزًا لسياسة المغامرة التي جرّت المملكة إلى مواجهة مفتوحة.
لكن المفارقة أن صلاح الدين لم يكن قد وصل إليه بعد.
كان لا يزال بينهما جيشان.
وكانت الساعات القادمة ستقرر مصيرهما معًا.
حطين لم تبدأ في حطين
وهنا يجب أن نعيد النظر في كل ما حدث.
لم تبدأ حطين عندما التقت السيوف.
بدأت عندما مات نور الدين.
عندما دخل صلاح الدين دمشق.
عندما سقطت حلب.
عندما اقتربت الموصل.
عندما توحدت مصر والشام.
عندما انقسمت مملكة بيت المقدس.
عندما خُرقت الهدنة.
عندما خرجت القوافل من القاهرة.
عندما بدأ صلاح الدين يجمع جيشه.
وعندما اتخذ غي دي لوزينيان قرارًا بالخروج من صفورية.
كل هذه اللحظات كانت حلقات في سلسلة واحدة.
ولهذا فإن الرابع من يوليو سنة 1187م لم يكن يومًا منفصلًا عن التاريخ.
كان يومًا اجتمعت فيه أخطاء سنوات.
لكن السؤال الأخطر لم يكن من سينتصر؟
السؤال الحقيقي كان!!!
ماذا سيحدث بعد النصر؟
لأن صلاح الدين إذا انتصر في حطين، فلن يكون أمامه مجرد جيش مهزوم.
سيكون أمامه مملكة كاملة بدأت تفقد قدرتها على الدفاع.
وأمام القدس.
وأمام الكرك.
وأمام عكا.
وأمام مدن الساحل.
وأمام حصون لا تزال قوية.
لكن قبل كل ذلك كان عليه أن ينتصر.
وفي صباح الرابع من يوليو سنة 1187م، كان الجيشان على وشك الدخول في واحدة من أكثر المعارك تأثيرًا في تاريخ المنطقة.
كان الصليبيون محاصرين بين الأرض والعطش والضغط العسكري.
وكان صلاح الدين قد جمع سنوات من العمل السياسي والعسكري في لحظة واحدة.
أما أرناط فكان قريبًا جدًا من الرجل الذي أقسم أنه سيقتص منه.
لكن حطين لم تكن قد كشفت أسرارها كلها بعد.
فاللحظة التي انتظرها صلاح الدين سنوات أصبحت أمامه الآن.
والسؤال لم يعد هل يستطيع صلاح الدين هزيمة الجيش الصليبي؟
بل ماذا سيفعل عندما يصبح قادة مملكة بيت المقدس جميعًا في قبضته؟
وهل كان صلاح الدين، الذي عرفناه في كتب التاريخ باعتباره فاتح القدس، قادرًا على ضبط انتقامه عندما وجد أخطر خصومه أمامه؟
ولماذا تحولت حطين بعد ساعات قليلة من بدايتها إلى انهيار عسكري غيّر خريطة المنطقة كلها؟
وكيف أصبح الطريق إلى القدس مفتوحًا؟
في المقال القادم!!!
حين سقطت حطين
يوم انهار جيش مملكة بيت المقدس، وبدأ الطريق إلى القدس
التاريخ من وراء الستار
ففي حطين لن تسقط راية واحدة فقط.
بل سيسقط الجيش الذي كان يقف بين صلاح الدين والقدس







