مقالات

الدكتور مجدي العفيفي يدعوكم للإطلالة من شرفة عامه السبعين 

من شرفة عامي السبعين ..تأملات في سيمفونية الصمت والحكمة...(١) 

أما قبل،،،
العمر محطة وليست رقمًا.. السبعون عامًا ليست مجرد رقم يُسجّل في دفتر الأيام، ولا تاريخ يُضاف إلى رصيد السنين. هي محطة رمزية، شرفة عالية يطل منها الكاتب والمفكر والصحفي على مسار حياته، على حركة العالم من حوله، وعلى تجربة امتدت حوالي نصف القرن في قلب الأحداث العربية والخليجية، وخصوصًا في سلطنة عمان. العمر الحقيقي لا يُقاس بما مضى من سنوات، بل بما عاشه الإنسان من وعي وحركة وتأثير. طفولة بلا إدراك، وشيخوخة بلا قوة، لا تدخلان في الحساب. ما يبقى هو العمر الذي يُنتج، ويترك أثرًا، ويحوّل التجربة إلى معرفة، والفعل إلى إرث.
الزمن تيار متواصل.. من شرفة السبعين يرى الكاتب الزمن تيارًا متدفقًا، أحيانًا يتسارع وأحيانًا يبطئ، لكنه دائمًا مستمر، لا يتوقف. كل لحظة فيها قيمة، وكل فعل فيها وزن. الفواصل الزمنية الكبرى، مثل بلوغ السبعين، ليست للاحتفال بالرقم، بل للاحتفال بالوعي، بالقدرة، بالإدراك، وبما يمكن أن يُستكمل من تجربة حية وفاعلة.
السبعون سنة للصحفي والمفكر ليست خاتمة، بل مرصد يرى من خلاله القارئ العالم، ويتابع التحولات، ويستحضر الدروس، ويُعيد صياغة الفعل الثقافي والإعلامي.
خمسون عامًا من العمل في عمان والخليج العربي، بين مقالات وكتب ومحاضرات ودراسات، صحافة مكتوبة وفضائية، مؤسسات محلية وإقليمية ودولية، لم تكن مجرد متابعة للأحداث، بل مساهمة فكرية وإعلامية. لقد صاغ الكاتب جزءًا من الخطاب الثقافي والإعلامي، وأرسى جسورًا بين التجربة الشخصية والمعرفة العامة.
العمر الحقيقي هو الفعل.. السلسلة التي نقدمها هنا ليست مجرد مقالات، بل شهادة حيّة على أن العمر الحقيقي هو عمر التجربة، عمر الفعل الواعي، عمر القدرة على الرصد والتحليل، عمر الكتابة والمساهمة في صياغة الفكر والخطاب.
هو العمر الذي يُحتفى به ليس كرقم، بل كرحلة ممتدة، كمسار للحركة والفكر والإبداع، كإشادة بالقوة والوعي والقدرة على الإنتاج، ولإدراك أن الحياة، مهما طالت، تبقى فرصة للإبداع والتأثير المستمر.
دعوة للتأمل والمشاهدة… من شرفة عامه السبعين عاما، يطل الكاتب على قراء الجريدة، مقدّمًا هذه السلسلة كمرصد للفكر، وكمنصة للتأمل، وكدعوة لفهم معنى العمر الحقيقي: العمر الذي يُحتفى به ليس بما يقوله التقويم، بل بما يتركه الإنسان أثرًا في نفسه والآخرين، في الثقافة والمجتمع، وفي حركة التاريخ.
هذه هي البداية، وهذه هي الشرفة، وهذه هي السبعون عامًا: فرصة للحركة، للفكر، للإبداع، وللتجربة التي لا تنقطع.
** فاتحة
( سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ )
ليست هذه بداية نص.. بل بداية إنصات.. لحظةٌ ينخفض فيها ضجيج العالم بما يكفي لكي تُسمع كلمةٌ واحدة، كانت دائمًا هناك… لكننا لم نكن نملك الهدوء الكافي لالتقاطها.
من هنا تبدأ معزوفة الروح.. خافتة، مترددة، كأنها تتحسس طريقها في عتمةٍ لم تعترف بها من قبل. لكن العالم لا يمنحها هذا الترف طويلًا؛ إذ يندفع ضجيجه كطوفان: أصوات، صراعات، إيقاعات قاسية تفرض نفسها، وتشدّ الإنسان بعيدًا عن مركزه، حتى يكاد ينسى أنه كان يبحث عن شيء آخر… شيء لا يُسمع في هذا الصخب.
ثم يأتي النداء:«نداهة» الصحافة، أو الحياة نفسها حين تتجسد في مهنة، في شغف، في غوايةٍ كاملة. نداءٌ لا يقول: تعال لتسكن، بل تعال لتتورط. وهكذا يبدأ العمر في الانخراط، في الجري، في مطاردة المعنى عبر الكلمات، العناوين، واللحظات التي تبدو حاسمة.. ثم تمضي.
تتسع الخريطة: من القاهرة إلى عواصم الخليج. أمكنة تتغير، وجغرافيا تكبر، لكن السؤال يظل كما هو: هل اتسع الداخل بقدر ما اتسع الخارج؟ أم أن الإنسان كان يحمل ضجيجه معه أينما ذهب؟
وفي محاولة للفهم، تأتي الكتب.. لا بوصفها ما كُتب، بل ما كتبك أنت. عشرون مرآةً للروح، تعكسك بوجوه متعددة، تكشفك وتعيد تشكيلك، لكنها – رغم سطوعها – لا تمنحك الطمأنينة الكاملة. تظل المرايا مرايا.. تعكس القلق بقدر ما تعكس المعرفة.
ثم تبدأ الأسئلة الحقيقية.. ليست أسئلة المعرفة، بل أسئلة العمر حين يلتفت إلى نفسه:
ماذا فعلت؟
ماذا كان يستحق؟
ماذا ضاع دون أن يُلاحظ؟.
هنا تتغير نبرة الصوت؛ لم يعد صاخبًا، بل مثقلًا بشيءٍ أقرب إلى الصدق.
وفي قلب الرحلة، تقف لحظة لا يمكن تجاوزها:
ماذا تعلّمت من سبعين عامًا من الحياة؟
هنا لا تُستعاد الأحداث.. بل تُستخلص.
يسقط الزائد، وتبقى الخلاصة: أن كثيرًا مما طاردته لم يكن يستحق، وأن كثيرًا مما تجاهلته كان هو الأجدر بالانتباه. أن الإنسان لا يحتاج أن يملك العالم.. بقدر ما يحتاج أن يهدأ منه.
هنا، لأول مرة، يقترب المعنى من السلام.. لا كفكرة، بل كحاجة.
بعدها يأتي صمتٌ آخر تمامًا.
ليس فراغًا، بل امتلاء. صمتٌ لا ينتج عن غياب الصوت، بل عن اكتماله. كأن كل ما كان يجب أن يُقال.. قد قيل، ولم يبق إلا أن تُسمع الكلمة التي كانت تنتظر.
وفي الطريق، وجوه مرّت.. ولم تمر.
تركت ضوءًا خفيفًا، أثرًا لا يُمحى. كأن الرحمة لم تكن فكرة مجردة، بل تجلّت في أشخاص، في مواقف، في لحظات صغيرة أنقذت المعنى من الانهيار.
ثم تختلط التجربة كلها: رحيقٌ وحريق. لذّاتٌ وآلام، مكاسب وخسارات، صعود وانكسار. وكل ذلك يبدأ في الذوبان داخل إحساسٍ واحد يتشكل ببطء: أن السلام ليس نقيض الألم.. بل فهمه.
وأخيرًا، يقف الإنسان عند محطته الأخيرة..
لا ضجيج.. لا مرايا.. لا أسئلة..
فقط مونولوج داخلي أخير، يعرّي كل شيء، ويتركه كما هو: بسيطًا، هشًا، وصادقًا.
وهنا.. بعد كل هذا الدوران، وكل هذا التعب، وكل هذا البحث..
لا تأتي الإجابة من الداخل..ولا من العالم.. بل تأتي – كما لم تكن تتوقع – من هناك: } سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ{ ليتضح أن الرحلة كلها.. لم تكن إلا تمهيدًا لسماع هذه الكلمة.
وأن كل ما عشته، بكل ما فيه من ضجيجٍ ونداءاتٍ وأسئلةٍ واحتراق…
كان الطريق الطويل نحو لحظةٍ واحدة، يُقال لك فيها – أخيرًا – ما كنت تبحث عنه دون أن تعرف اسمه:
( سَلَامٌ …. )
،،،،
والى اللقاء مع الحركة الأولى من سيمونية الصمت والحكمة

زر الذهاب إلى الأعلى