الدين كامل.. نظام حياة… فمتى ندخل هذا الباب؟
بقلم: عبد العظيم كحيل. أبو بلال
طرابلس، لبنان
حين قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»، وضع أمامنا قاعدة تستحق التأمل. فكيف نؤمن بكمال ديننا، ثم نتركه بعيدًا عن جوانب من حياتنا،
ونستورد حلولًا فكرية واجتماعية وسياسية لا تنسجم بالضرورة مع عقيدتنا وقيمنا؟
لقد جاء الإسلام منهجًا متكاملًا ينظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالآخرين،
من آداب حياته اليومية إلى مسؤولياته الاجتماعية والسياسية، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
فالمشكلة ليست في كمال المنهج، بل في مدى التزامنا به وتطبيقه في واقعنا.
ولا يمكننا أن نتجاهل أثر الاحتلال في تاريخ أمتنا؛
فقد تجاوز احتلال الأرض إلى التأثير في الفكر والهوية،
ورسم الحدود بين أبناء الأمة، والإسهام في تشكيل أنظمة ومناهج تعليمية تخدم مصالحه. وقد يرحل المحتل بجنوده،
لكن آثار التبعية لا تزول بمجرد رحيلإذ تحتاج إلى وعي يعيد للإنسان ثقته بهويته،
وقدرته على التفكير والاختيار. وليس المطلوب أن نرفض العلم والصناعة والعمران لأنها جاءت من الآخرين،
بل أن نأخذ من منجزات البشر ما ينفعنا، من دون أن نتخلى عن مرجعيتنا وقيمنا.
تأملوا بعض مظاهر واقعنا:
شباب يستنزفون أعمارهم خلف شاشات الهواتف طلبًا لإعجاب عابر، ورجال ينسون أن للكلمة كرامة وللعمر مسؤولية،
وأمهات يبكين قهرًا في البيوت، وآباء يُهانون، بينما يستمر نزيف أهلنا في القدس،
ويغيب عن كثيرين واجب النصرة والاهتمام.
ليست هذه صورة الأمة كلها، لكنها مظاهر تدعونا إلى مراجعة أنفسنا، حين تتقدم الشهوة على المسؤولية، ويُسمّى الانفلات تحررًا، ويصبح الصمت عن الخطأ أمرًا مألوفًا.
فكيف نصلح ما أفسدناه؟
علينا أن نبدأ بأنفسنا.
نغض أبصارنا، ونحفظ ألسنتنا،
ونصون كرامة الأسرة،
ونربي أبناءنا بالقدوة قبل الموعظة، مستحضرين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
أن نتحرر من التبعية الفكرية. نأخذ من علوم العالم وخبراته ما ينفع الإنسان،
ونرفض أن تتحول الاستفادة إلى تقليد أعمى، أو أن يصبح التطور ذريعة للتخلي عن مبادئنا.
فالإسلام لا يعادينا العلم،
بل يوجه المعرفة نحو الخير والعدل وصيانة الإنسان.
أن نجدد صلتنا بالله. بالمحافظة على الفرائض والأذكار،
وفهم معاني الدين والعمل بها،
فلا تبقى العبادة محصورة في الشعائر،
بل يظهر أثرها في أخلاقنا ومعاملاتنا ومسؤولياتنا.
وليس نداء العودة إلى الإسلام دعوة إلى التعصب أو الانغلاق؛ فنحن نبدأ صلواتنا بالحمد لله رب العالمين، لا رب المسلمين وحدهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فالعدل والرحمة وصون كرامة الإنسان ليست دعوة إلى ظلم الآخرين، بل من صميم الرسالة التي نؤمن بها.
إن الأمة التي تريد استعادة عزتها لا يكفيها أن تتحرر أرضها من الاحتلال،بل عليها أن تتحرر من التبعية، وأن تستعيد وعيها ومسؤوليتها، وأن تجعل إيمانها حاضرًا في حياتها.
ولا ينبغي أن يتحول الحديث
عن أخطائنا إلى يأس أو اتهام للجميع؛ فباب التوبة والعودة مفتوح، ورحمة الله أوسع من ذنوب عباده،
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
فيا أخي المسلم، لا تنتظر أن يتغير العالم وأنت متفرج؛
ابدأ بنفسك، وأصلح ما تستطيع، وتذكر أن كل إنسان مسؤول عما استُرعي عليه،
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
الدين كامل، وباب العودة مفتوح؛ فمتى ندخل هذا الباب؟
اللهم ردّنا إليك ردًّا جميلًا،
وأصلح أحوالنا، واجعلنا رحمةً وعدلًا للناس أجمعين.
بقلم: عبد العظيم كحيل
أبو بلال – طرابلس، لبنان








