الدين و الحياةمقالات

الرسول والسائل… بقلم: محمـــد الدكـــروري

الرسول والسائل

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى حمد الشاكرين، ونشكره شكر الحامدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، حق قدره ومقداره العظيم، أما بعد يقول الرسول المصطفي صلى الله عليه وسلم قال “لو قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها” رواه الإمام مسلم، وهذا ما أرشدنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن جاءه رجل من الأنصار يسأله فقال له الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم أما في بيتك شيء؟ قال بلى حلس، أي كساء يفرش في البيت، نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب أي إناء نشرب فيه الماء، قال صلي الله عليه وسلم ائتني بهما.

فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال من يشتري هذين؟ ويعني أجرى مزادا عليهما، فقال رجل أنا آخذهما بدرهم، وقال من يزد على درهم؟ مرتين أو ثلاثا، قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال اشتري بأحدهما طعاما وانبذه إلى أهلك واشتري بالآخر قدوما فائتني به، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده ثم قال له اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة” رواه أبو داود، فهذا حث مباشر من الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم على العمل مهما كان صعبا،

وعلى الإبتعاد عن مواطن الذل والسؤال، فالعمل شرف مهما كان متواضعا، ويقول مورق العجلي يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص عمرك وأنت لا تحزن، وتطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك، وجلس إبراهيم بن ادهم رحمه الله يوما ووضع بين يديه بعضا من قطع اللحم المشوي فجاءت قطة فخطفت قطعة من اللحم وهربت، فقام وراءها واخذ يراقبها فوجد القطة قد وضعت قطعة اللحم في مكان مهجور أمام جحر في باطن الأرض وإنصرفت فازداد عجبه وظل يراقب الموقف بإهتمام وفجأة خرج ثعبان أعمى فقأت عيناه يخرج من الجحر في باطن الأرض ويجر قطعة اللحم إلى داخل الجحر مرة أخرى، فرفع الرجل رأسه إلى السماء وقال سبحانك يا من سخرت الأعداء يرزق بعضهم بعضا.

وقيل للحسن البصري ما سر زهدك في الدنيا؟ فقال علمت بأن رزقي لن يأخذه غيري فأطمأن قلبي له، وعلمت بأن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به، وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن أقابله على معصية، وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله، واعلموا يرحمكم الله أن قضية الرزق والأجل، هما قضيتان خطيرتان وأمران مهمان يشغلان بال كل إنسان ليلا ونهارا، فإن همّ الرزق قد أكل قلوب الخلق، وسيطر على عقولهم، وعطلوا من أجله ما كُلفوا به، وهم قد كفوه، حيث قال تعالى ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوه ” وانشغال الإنسان أو نسيانه لقضية الأجل يجعله في هم ونكد وضيق، فحب الدنيا لا يكون إلا حبا في ملذاتها وشهواتها، وهذه تحتاج إلى مال، والمال يحتاج إلى جمع وتحصيل وكدح.

زر الذهاب إلى الأعلى