أدب وثقافةالدين و الحياة

السماحة والرأفة في الإسلام بقلم محمـــد الدكـــروري

 

السماحة والرأفة في الإسلام

بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كانت السماحة والرأفة تظهر جليا في قلوب الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، فهذا هو الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما وتأثره عندما قتل من نطق بالشهادتين، فماذا حدث في هذا الموقف؟ ولما عاتبه رسول الله صلي الله عليه وسلم، على خطئه وبخه توبيخا شديدا، وذكره بالحساب، ماذا تمنى الصحابي، ماذا قال؟ ما هي الكلمات التي عبر بها عن الحرج العظيم في نفسه؟ قال فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، أي تمنيت أني ما دخلت في الإسلام إلا بعد هذه الجريمة لأن الإسلام يجب ما كان قبله، تمنيت أني ما أسلمت إلا في ذلك اليوم لأنه عظم عليه الإثم جدا، ولكن اليوم كثير من المجرمين يفعلون جرائم متعددة، وكبائر كبيرة جدا، لو سمعوا وعظم ذلك عليهم وقرعوا على أفعالهم، وأقيمت عليهم الأدلة على شناعة ما فعلوا، ماذا يحدث لديهم من التأثر؟ أي تأثر يحدث في نفوسهم؟ فهناك فرق كبير بين هذه النفسيات، فإن الناس نفوسهم إختلفت تماما.
وروي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فيقول “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ومررنا بشجرة فيها فرخا حُمّرة، فأخذناهما، قال فجاءت الحُمّرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تصيح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “من فجع هذه بفرخيها؟ قال فقلنا نحن، قال “فردوهما” فهو صلى الله عليه وسلم قلب يعطف على جذع نخلة يابس، ويعلن حبّه لجبل صلد، ويستمع شكاية الجمل، وهو يمسح على سنامه وأذنيه، ويرفع المظلمة عن طائر، فإذا كان هذا حبه لهذه المخلوقات، فكيف يكون حبّه لإنسان له جنان؟ وكيف سيكون حبه لولده وزوجه وقرابته وأصحابه؟ ومن هنا يجب على المسلم أن يكون همه لله وفي ذات الله، وهذا مقام رفيع، وأن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعا أشهد من شح البخيل بماله، وأن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أكثر من إهتمامه بالعمل ذاته وهذه نقطة مهمة جدا، لقد أصبح الجيل المسلم اليوم لا يفكر في الشهادة، ولا يفكر في أعظم صورة من صور التكريم الإلهي للإنسان.
ولو ناقشت ابنك في كل مكان عن الشهادة وسألته من هو الشهيد؟ وما له عند الله؟ وما هم الشهداء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما عرف الجواب لأنها قضية قد غابت وتلاشت في حس الجيل المسلم، وصارت همومه صغيرة، وحين خرج عمير بن أبي وقاص أخو سعد رضي الله عنهما بإعادة المجاهدين الصغار إلى المدينة يستسخرهم للفتوحات الإسلامية الكبرى بكى عمير، قيل ما يبكيه قال أخوه سعد والله يا رسول الله ما خرج من المدينة للقافلة، إنما خرج من المدينة يريد الشهادة في سبيل الله، فلا تحرمه الشهادة في سبيل الله يا رسول الله، فلما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكبر عنده هذا الشعور العظيم الإيماني الكبير فأذن له على صغر سنة ونحافة جسمه حيث إن سعدا يقول أخذت أربط حمائل سيفه على بطنه فلا تقواه فتنزل لأنه كان نحيفا يجر سيفه خلفه، وله همة عظيمة أعلى من قمم الجبال ولا يطيقها أعظم الرجال، إنه لم يذق من شهوة الدنيا شيئا، لا يزال طفلا صغيرا يخرج إلى مسافة بعيدة.
إلى الأقطار يريد الشهادة لأنه سمع الله وسمع رسوله يحدثه عن الشهادة ومنازل الشهداء، وما عند الله للشهيد، فكان من أوائل الشهداء في غزوة بدر رضي الله عنه ورحمه، وجدير بأبنائنا أن يحفظوا اسمه وأن يكون لهم قدوة وأسوة، فهو صلى الله عليه وسلم الذي دعا لأم أبي هريرة رضي الله عنه قبل إسلامها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ” كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلت يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اهدي أم أبي هريرة، فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال فاغتسلت ولبست درعها.
وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح” رواه مسلم.

زر الذهاب إلى الأعلى