مقالات

« العراق يوقف تجاوزات الكويت ويحدد مياهه الدولية »

« العراق يوقف تجاوزات الكويت ويحدد مياهه الدولية »

مقال مرجعي
ليس بخافٍ على احد ان الكويت عاشت فترات مختلفة بدأت بقائمقامية ثم محمية بريطانية وبشكل متقلب منذ عام 1919 بعد الحرب العالمية الاولى الى حين الاعتراف بها في حزيران 1961 وطيبة تلك الفترات كانت تستقوي ببريطانيا على ابتلاع اراضي عراقية خالصة بطرق الاستفزاز او التحايل ورغم ذلك بقيت دولة مجهرية بنصف خارطتها الحالية لتقوم بعد حادثة الصامتة والروضتين بضم جزر وربة وبوبيان في مرحلتين بدات بالخمسينيات ومن ثم الستينيات مستغلة تقلبات العراق وحدوث الانقلابات خاصة انقلاب عام 1963 لتعود لذلك مجددا في السبعينيات، لكن الفارق الذي كانت تنتظره بعد استفزاز العراق وخفض اسعار النفط ليتمثل باحتلال الكويت عام 1990 ولتحصل على اراضي من العراق حيث اقتطعت اراضي برية كثيرة وكلها غنية بالنفط لتضع يدها على ست حقول نفطية ومن ثم تمددت نحو البحر لتصل لحلمها الاهم، خنق العراق وغلق مجاله البحري والتحكم بما يدخل ويخرج منه وتحقق لها جزئيا ذلك بعد البروتوكولات الامنية واتفاقية الملاحة المشتركة في عام 2012 واصدارها مرسومها الأميري المنفرد عام 2014 الذي رسمت حدودها البحرية استحوذت بموجبه على جزء من البحر الاقليمي وغالبية المنطقة المتاخمة وجميع المنطقة الاقتصادية العراقية.
بما لايقبل الشك قام العراق بالتفاوض والتفاوض ومحاولة ارضاء الكويت معبرا عن عدم قبوله المطلق لقرارات الكويت المنفردة والتي قامت بدورها بتحريك دول الخليج ضده والمعروف ان العراق يريد بشدة علاقات جيدة مع دول الخليج لفتح صفحة ود وعلاقات مبنية على الاخوة والمصير المشترك ونسيان الماضي.

كل هذه العوامل وغيرها من وجود حقول نفطية عملاقة في منطقة العراق الاقتصادية دفعت الكويت بالمزيد من خلق خطوط وهمية و انشاء جزر اصطناعية جديدة كانت معروف عنها انها مناطق بحرية ضحلة وتحديدا 3 مساحات وهي “فشت العيج، فشت الگايد والنوب”.
لمن يتفحص الخارطة التي عملت عليها الكويت يعرف تماما كيف عملت الكويت بنفس طويل وبتدرج لخلق الخطوط البحرية وكالتالي:
1️⃣ تغيير خطوط البر للحصول على اراضي ذات حقول نفطية ومن ثم خلق خطوط لتقسيم ملتقى الاخوار الثلاثة في مياه العراق فوق من خور عبد الله التميمي بين جزيرة وربة واراضي الفاو واراضي الكويت.

2️⃣ تقسيم خور عبد الله التميمي مناصفة دون حتى خط تالوك باتفاقية الملاحة المشتركة الموقعة في نوفمبر 2012 ، لكون خط المنتصف هو خط مختلف عن ملكية العراق كاملا للخور علما ان الكويت ليست مهتمة للخور لخط المنتصف لايصاله بالخط البحري الذي تريده مابعد الخور لتكون العلامة 162 اصل التقسيم وليس البرين العراقي والكويتي حسب قانون البحار 1982.

3️⃣ اصدرت مرسوها الاميري المنفرد في اكتوبر 2014 بعد ان استطاعت ضم البر ومناصفة ملتقى الاخوار ومناصفة خور عبد الله و ارادت به ان يكون طلقة الرحمة لمياه العراق وتحوله لدولة شبه مغلقة.

4️⃣ رغم كل خطوات الكويت وسنوات صبرها لاحداث التغييرات، لكنها كانت تعلم جيدا ان تغييرا هائلا كهذا لن يكون سهلا فقامت بخطوات اضافية متعددة ومتشعبة.

5️⃣من ضمن الخطوات الاخرى محاولات تقديم الهدايا والرشى لمسؤولين عراقيين، واذكاء حالة الانقسام الداخلي، والضغط على دول الخليج لاستعداء العراق واستصدار بيانات دعوات لتقسيم مابعد العلامة 162، واشراك السعودية بعد ترسيم منطقة الحياد (المقسومة) في حقول نفطية اكتشفتها في منطقة العراق الاقتصادية واستدعاء ايران لتقسيم الحيد البحري دون دعوة العراق.

هذه العوامل الجغرافية التي قامت بها الكويت دفعت العراق للشكوى في الامم المتحدة وتسجيل احتجاجه الرسمي عدة مرات منذ عام 2013 وحتى الان، على قيام الكويت بإحداث تغييرات جغرافية في المنطقة البحرية الواقعة بعد العلامة 162 في خور عبدالله من خلال تدعيم المنطقة الضحلة (فشت العيج) وإقامة منشأ مرفئي عليها بإسم منصة بوبيان من طرف واحد دون علم وموافقة العراق، معتبرة أن ذلك لا اساس قانونيا له في الخطة المشتركة لتنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله.
وقد لوحت الحكومة العراقية في رسالتها لمجلس الأمن إلى ان استمرار الكويت بفرض سياسة الأمر الواقع بإيجاد وضع جديد يغير من جغرافية المنطقة، لن يسهم في دعم جهود البلدين في التوصل إلى ترسيم نهائي للحدود البحرية بينهما، ويعد فرضا لواقع مادي يجب ألا يؤخذ بعين الاعتبار عند ترسيم الحدود بين الدولتين.

كل ماذكرته للان هو ديباجة وتاريخ ويمثل خطوات كويتية لاحداث تغييرات للسيطرة على مياه العراق بعد ان اخذت بره فهي تعلم تماما انها دولة لن تعيش الا باستغلال كامل العراق عبر خنقه باضعف نقطة فيه وهو منفذه البحري.

من جانب العراق، المعروف انه غارق في مشاكل داخلية متعددة لكن هناك عدة جهات عملت على ترجيح الكفة تمثلت بخبراء وفنيين وجهات حكومية ولجان كانت تعمل بتزامن لاعادة السيطرة العراقية على مياهه وعكس الالية التي عملت بها الكويت بخطوات مدروسة تتمثل بترسيم مياه العراق تدرجاً وحسب قانون البحار للعام 1982 والذي يقسم المياه الى اقليمية (بحر اقليمي) ومن ثم منطقة متاخمة (المنطقة المغمورة) ومن ثم منطقة اقتصادية ثم (الجرف القاري).

ما نتحدث عنه هي إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، دخلت حيز التنفيذ عام 1994،بعد إنضمام 166 دولة ومن بينها العراق، وحلت محل الاتفاقية القديمة في عام 1958، وهي بـ 247 صفحة تحتوي كل تفاصيل الدول المتشاطئة من بحار وبحيرات وانهار والاحتمال الاكبر ان العراق سيلجأ لها لاحقا في مواجهة تجفيف انهاره ضد تركيا وايرانعلى وجه الخصوص.

هذه الاتفاقية تفرض على كافة الدول المتشاطئة والمنضمة لها بإيداع الامانة العامة للأمم المتحدة إحداثيات حدودها المائية منعاُ للخلافات بين الدول، وعلى هذا الأساس تأسست “المحكمة الدولية لقانون البحار” والذي سيلجأ لها العراق في مواجهة دعوات متوقعة من الكويت وربما ايران (لكن الاخيرة للان لم تبدي اعتراضا)، وهو امر طبيعي بين الدول المتشاطئة، والعراق جاهزا لها مقدما بما يملك من وثائق وخرائط.

وعليه وبعد دراسة الاتفاقية وعمل الخبراء المحليين وماقدموه من ايضاحات هائلة للراي العام خاصة اللواء جمال الحلبوسي واخرين وقيام الحكومة العراقية بالاستعانة بجهودهم واعتمادهم خبراء ألمان حيث وضعت نظاماً حدّدت فيه المسافات لأقسام البحار الثلاثة وهي:
1️⃣ البحر الأقليمي (المياه الأقليمية)مسافته عن الشاطىء 12 ميل بحري،حيث تمارس الدولة المعنية سيادتها على هذا البحر الأقليمي الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من أقليم الدولة، وفي خارطة مياه العراق لم تعتمد العلامة 162 كونها خط تقسيم نهائي بين العراق والكويت في خور عبد الله فقط، لكن مابعده يحدده ال12 ميل بحري عن اقرب نقطة يابسة عراقية وبذلك تشمل نقاط فشت العيج وفشت الگايدة رغم انها مصنعة لكن القانون قانون والعراق مستعد لاثباته، والحال نفسه نحو الجهة الايرانية.

2️⃣ المنطقة المتاخمة (المنطقة المغمورة) للمياه الأقليمية مسافتها 12 ميل بحري، من حدود البحر الأقليمي وتكملة له. حيث وإن كانت هذه المياه لا تخضع للسيادة، لكن من حق الدولة المعنية ممارسة بعض الصلاحيات في المنطقة المتاخمة.

3️⃣ المنطقة الاقتصادية الخالصة مسافتها 200 ميل بحري إعتباراً من ساحل الدولة المعنية.حيث توزِّع الاتفاقية الحقوق بين الدول التي قد تتداخل مناطقها تلك بين الدول المعنية، وهو مالايحققه الخليج كونه مغلق ومحاط بعدة دول لتتقلص المسافة الى 48 ميل لنقطة التقاء الدول الثلاث.

وعليه، فان العراق يتوقع المرور بفترة اعتراضات ومستعد للجوء الى “محكمة البحار الدولية ITLOS” التابعة للام المتحدة ومقرها هامبورغ، وله حقوق إقتصادية في ما ذكرناه والمتوقع انه سيمر بفترة قد تطول لحين تسوية تلك الخلافات منعاً لحصول أي حرب بسبب ذلك.

لذا تعتبر خطوة وزارة الخارجية العراقية صحيحة ودفاعا عن حقوق البلاد ولو متأخرة لاسباب يعلمها الجميع فالدول صعب ان تنهض بعد حروب وانقلابات، ونحن في العراق ننظر لمن حولنا على انها دول شقيقة وليست عدوة، ونريد معها افضل العلاقات ،ولتصبح الان محكمة البحار الخطوة القادمة واتفاقية 1982 منعنا الحصين ضد الاطماع والعراق الان لديه خبرات وهيئات ومؤسسات قضائية ويستعين باعلى المؤسسات الخارجية وعلاقاته مع دول العالم بدرجة الممتازة، بضمنها دول الخليج الشقيقة وهو ماسيكون كافيا لوضع خدد للتمدد الكويتي الذي طال امده، فالعراق بلد تاريخي قد يمرض ولكنه لايموت.

د. حيدر سلمان
باحث في الشأن العراقي والدولي
٢٢ شباط / فبراير ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى