ثقافة وفنصدى مصرمقالات

الفن المصري والذاكرة الموشومة المغربية:

سوسيولوجيا العناق وجدلية الوجدان المشترك

 

الفن المصري والذاكرة الموشومة المغربية:

سوسيولوجيا العناق وجدلية الوجدان المشترك

 

كتب / عبد المجيد عبوبي

رئيس المجلس الوطني لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية بالمغرب

تتأسس الحضارات الإنسانية على قاعدة التلاقح والتأثير المتبادل، وقليل هي الأواصر التي بلغت من العمق والرسوخ ما بلغته الرابطة الوجدانية والثقافية بين الشعبين المغربي والمصري. منذ فجر استقلال المغرب، لم يكن الفن المصري الوافد عبر الشاشات الفضية، والأثير الإذاعي، والمجلات الفنية مجرد مادة استهلاكية للترفيه، بل كان بمثابة الماء العذب الذي يروي خيال المجتمع، والوسادة الدافئة التي يستند إليها وجدانه.

لقد تنفس المجتمع المغربي الفن المصري حتى تشكلت لديه “متلازمة ثقافية” شبه وجودية؛ لا لأن هذا الفن فرض هيمنته بقوة القهر أو الاحتكار، بل لأنه استبطن جوهر الروح المغربية، ولامس أشواقها وتصوراتها العميقة للحرية، والحب، والجمال.

أولاً: سوسيولوجيا الفن المصري في المغرب.. مرآة الذات في الآخر

من منظور علم الاجتماع الثقافي، تلعب الفنون دور الوسيط الأبرز في بناء المخيال الجماعي. وفي الحالة المغربية، عمل الفن المصري كمرآة عاكسة لتطلعات مجتمع يعيد صياغة هويته الحديثة بعد مخاض الاستقلال.

الفضاء المكاني المتخيل: لم يكن المغربي بحاجة إلى جواز سفر لزيارة القاهرة؛ فقد كانت حارات مصر، وأزقتها، وبسطاء أهلها، وأفراحهم وأتراحهم، جزءاً من الجغرافيا الوجدانية للبيت المغربي. تحولت الشاشة السوداء والبيضاء في دور السينما والمقاهي إلى نافذة مفتوحة يطل منها المتلقي المغربي على عالم رحب ينبض بالحياة.

إعلام الوجدان والمكتوب: شكلت مجلات بحجم “الموعد” وغيرها من المطبوعات المصرية طقساً مقدساً للقارئ المغربي. لم تكن مجرد أخبار فنية، بل كانت “أيقونات” تعبد الطريق نحو عالم السحر والنجومية، حيث يتماهى الإنسان البسيط مع حكايات عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم، وكأنها حكايات من صلب واقعه المعيش.

ثانياً: الإسقاط النفسي والوجداني.. حين يصبح الطرب علاجاً للروح

على صعيد علم النفس الفردي والجمعي، نجح الطرب المصري في الإجابة عن تساؤلات الروح البشرية في أعمق تجلياتها.

عقيدة العشق المعبد بأغاني عبد الحليم: من ذا الذي كابد لوعة الحب ولم يجد في نبرات العندليب الأسمر ترجمة دقيقة لبوح قلبه؟ لقد كانت أغاني عبد الحليم حافظ بمثابة “دليل إرشادي عاطفي” لجيل كامل، حيث توحدت الدموع والابتسامات على أطراف المحيط الأطلسي وخليج البصرة، ومن طنجة إلى الكويرة.

رحلات الليل الكونية مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب: كان سهر الليالي المغربية مع كوكب الشرق “أم كلثوم” (خصوصاً في سهرات الخميس الشهيرة التي كانت تخلو لها الشوارع) طقساً صوفياً مدنياً. الصوت الكلثومي لم يكن غناءً، بل كان تجربة تطهيرية (Catharsis) تفرغ شحنات القلق الإنساني، وتسمو بالروح نحو آفاق من السكينة والطمأنينة. لقد كان السفر ليلاً على صوت عبد الوهاب وأم كلثوم سفراً نحو الداخل، نحو أعماق النفس البشرية بحثاً عن المعنى والجمال.

ثالثاً: الذاكرة الموشومة.. لماذا بقي الأثر راسخاً؟

إن عمق العلاقة بين الفن المصري والوجدان المغربي يفسرها ما يمكن اصطلاحه بـ “الذاكرة الموشومة”؛ أي تلك النقوش الثقافية التي حفرت بماء العاطفة الصادقة على جدار الزمن.

لم يكن الإعجاب بالفن المصري إعجاباً عابراً بمظهر برّاق، بل كان تلاحماً عضوياً بين إيقاع الحياة اليومية في المغرب وبين التعبير الفني المشرقي. لقد وجد الإنسان المغربي في الكلمة المصرية، واللحم الدرامي للمسرح والسينما، صوتاً يعبر عن آلامه وطموحاته وتساؤلاته الوجودية.

هكذا، ظل الفن المصري حياً في الذاكرة المغربية، لا كذكرى أزفت، بل كجزء لا يتجزأ من هوية عاطفية مشتركة، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود الجغرافية، بل يسكن حيث يوجد القلب البشري ينبض بالحياة والأمل.

شكرا لمصر ولفن مصر

 

زر الذهاب إلى الأعلى