كانت تعرف كثيرًا عن الحب…
فكّكت طلاسمه، وفهمت رموزه، ولكن ما لم تعرفه يومًا هو ألم الحب غير المتبادل.
كان يعتريها دائمًا شعور يزداد عمقًا وضراوة، بأن كتمان ما في أنفسنا—خوفًا من الخسارة أو تمسكًا بكبريائنا—لا يحميها أبدًا، بل تبنى حائطًا سريًا، يحجب ذلك النور الذي منحته لها الأقدار حين لقائه.
كل هذه الظنون دارت في رأسها وهي تجلس وحيدة…تحتسي كوبًا من الشاي على طاولة خشبية، تحمل دفترًا وقلمًا، وكأنها تحاول تدوين فوضى مخاوفها.
وفجأة… اخترق صمتها صوت منادية تدندن:
«أبين زين… أبين».
هزّت رأسها، وهتفت في سرها:
«لطالما هزمتني لامبالاتك، وأفقدتني القدرة على فهم الأحاديث… سأهدم جدار المخاوف، وأستعين بالعرافة؛ فربما تتجرأ الأصداف على الذهاب إلى المكان الذي لا يعرف أحد كيف يذهب إليه، وإلى الجرح، وأشياء أخرى.
يمكن أن تهمس لي وشوشة الودع—بغموضها وسحرها—بما لا أستطيع قوله لك، وأن تتحدث معك بالنيابة عني».
طوت أوراقها… ونهضت لتبحث عن صاحبة النداء.
قالت العرافة:
«وشوشي الودع… لعلك تجدين ضالتك».
حملت الودع بين كفها، ونفثت أنفاسها، وهمست كأنها تشكو إليه:
«دائمًا خطواته ثقيلة نحوي، وكأن ذاكرته تمشي معه…
لم أفهمه بوضوح، ولكني أشعر به مثل جوارحي.
أهذا قدري، أن ينحني ظهري، أم أن أمضغ الوهم لأشبع شغفي؟
خبرني يا ودع… عما لا يأتي، أو يأتي».
جمعت العرافة أصدافها، وأعادت نثرها بشكل مثلثي ورباعي… ثم قالت:
«الحب يا بنيتي يعج بالزوايا… وتوجد ثلاث زوايا في حياته، فتجنبي أن تكوني ضلعًا ثالثًا، ربما ستموتين مصلوبة عليه!
قد تنتهي حكايتك، وعليك أن تتقبلي كونك مهزومة…
انظري يا بنيتي لهذا المربع…
فحياته كرقعة الشطرنج هذه، وهنا لا يوجد كش ملك.
وفي أحسن الأحوال، ستعودين مبتورة… لتفهمي متأخرة أنك لم تكوني الملكة أصلًا».
رفعت حاجبها وقالت:
«ما هذا العبث؟
فأنا أعرفه جيدًا، وليس هناك أضلاع أخرى بيننا… ليس إلا أنا وهو!
أنتن أيتها العرافات اعتدتن الكلام نفسه، وأحيانًا وضع العراقيل… هل يلزم أن تكون كل حكاية بها أضلاع وأطراف؟».
قالت العرافة:
«هدئي من روعك… فأنا مبصرة، أقوم بتحويل وشوشتك العابرة إلى احتمالات:
هناك احتمال مرعب… أن تكون روحه قد ساءت بفعل ضرر النساء، فأغلق قلبه.
أو أنه عاشق صامت، قشرته صلبة، وهدؤه معجون بالغموض، وأن المشاعر نقطة ضعف لن يعلنها… ولديه قدرة استثنائية على إخفاء عمق أحزانه تحت سطح اللامبالاة.
وثمة احتمال أخير أشد إرباكًا… وهو أنه ربما يبحث عن أمل جديد في قصة قديمة!
يا بنيتي… انظري إلى هذا الخط الموصول؛ يوشوش بامرأة لمست قلبه، ستبقى فيه ولو بعد ألف رحلة… يمكن استبدالها، لكنه لن يتمكن من نسيانها».
تنهدت وقالت:
«أعيدي نثر الأصداف والودع… ربما يظهر شيء خلف الظلال!
ربما هو بطيء، يحتاج إلى أن يشعر بالأمان، أو أن يربط الكلمات بالأفعال.
وشوشي أصدافك، وقولي لها:
كم هو متعب من ثقل الحياة، يحمل في قلبه أشياء لا يعرف كيف يقولها، ويخوض صراعات لا يراها أحد…
قد يبتعد قليلًا، أو يتغير صوته، أو يعجز عن منح الاهتمام، لكنه رحيم… وهذه الحقيقة لو تعلمين!».
زجرتها العرافة وقالت:
«الودع يظهر ما خلف الظلال… نحن الذين نختبئ خلف أوهامنا، ثم نتهم العرافات بالخداع!
أأخبرك؟
هو الآن ينفث دخان سيجارته على مهل… ويتذكر كم قصة كتبها قلبه، وكم شفاه عانقت أنفاسه، وكم اسمًا وضع تحته خطًا ليكون له هدفًا».
ردت عليها بصوت ثائر:
«أراك أيتها العرافة لديك متعة سفيهة في الغوص في سخافات الحياة!
كل ما تقولينه ظلال عابرة ونسخ باهتة لا تعني لي أمرًا…
أريدك أن تحدثيني عن نسخته الأولى… عن ثوابته…
اروي لي عن حضوره الطاغي، وسحره، وصوته الخشبي، ومرارات القلب التي تجاوزها، والمسافة التي قطعها حتى صار كالحجر الكريم، أصيلًا لا يمكن تقليده!
أنا أصدق قلبي… أما أصدافك ووشوشتك وودعك، فهي تخريفة خريف أو وسوسة شيطان».
لملمت العرافة منديلها، وجمعت أصدافها… وقالت:
«وسوسة الشيطان أخبرتني أنك تحبينه محبة كثيفة… وكم تمنيتِ أن تقتسمي معه طفولته حتى تعشقيه من البداية.
تملؤك ألفة، وكأنه بجوارك منذ مئة عام…
تعرفينه كباطن يدك؛ خوفه، وقلقه، وخجله، وضحكاته، حتى إنك تتنبئين بأفكاره وكأنه منك… أنت ممسوسة به!».
ثم تبسمت بخبث العرافات، وهمست:
«ولكن من يدري؟ لربما ما حل بقلبك هو عملية نجاة متأخرة…
تذكري فقط أن المثلثات لا تليق بك!
ونصيحتي: إذا أشعلت شغفه، فاستعدي للحب بلا قواعد… فالشغف يعمي حتى أكثر العقول توازنًا».
ثم غابت… وأخذت تردد من بعيد:
«أبين زين… أبين».
لملمت أوراقها، ونهضت وهي تمتم…
اعلم، أن ما يواسي المرء ويرد إليه عافيته… هي اللامبالاة!
تَبًّا لأفكارٍ تنقّب في الخفاء…
فليس كلُّ ما خفي كان أعظم،
ربما لا يحقُّ لنا أن نعرفه!









