
الكاميرا في غزة… سلاح الرواية ومعركة الوعي
بقلم.. دكتور محمد البيومي.. الهيئة العامه للإعلام
مع اشتداد العدوان على قطاع غزة، برزت الصورة والفيديو كأحد أهم أسلحة الفلسطينيين في مواجهة الرواية الإسرائيلية. فلم تعد الكاميرا وسيلة تسجيل فقط، بل تحوّلت إلى منبر لكشف الحقيقة وتوثيق الجرائم، وصناعة رأي عام عالمي يُدرك حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
فوضى النشر… عندما تتحوّل الصورة إلى عبء
رغم أهمية التوثيق الشعبي، إلا أن الحرب كشفت عن فوضى في نشر المحتوى، حيث انتشرت مقاطع لا تعكس واقع الحصار، ومنها ما أظهر مشاهد حياة طبيعية رغم انعدام أبسط مقوماتها على الأرض. هذه الفيديوهات — رغم أنها صُوّرت بعفوية — أسهمت في تشويش الرأي العام ومنحت الاحتلال مادة يستخدمها لنفي جرائمه.
كما انتشرت لقطات مهتزة وغير واضحة، تفتقر إلى أساسيات التصوير، ما قلّل من قيمة الرسالة وأضعف تأثير الصورة الفلسطينية.
المسؤولية الوطنية في اختيار ما يُنشر
إن اختيار موضوع الفيديو ليس أمرًا ثانويًا، بل مسؤولية وطنية يجب أن يتحملها كل من يحمل كاميرا.
فالمحتوى المنشور ينبغي أن:
يُبرز معاناة المدنيين تحت القصف والحصار.
يُظهر صمود الناس بدل تصوير مشاهد قد تُسيء للجبهة الداخلية.
يكشف الحقيقة بدل تقديم صور قد يستغلها الاحتلال لتزييف الوقائع.
يلتزم بالوعي البصري الذي يجعل من الصورة رسالة لا عبثية.
ليس كل ما نراه يستحق النشر، وليس كل ما يجري أمام الكاميرا يخدم الرواية الفلسطينية.
الصورة الجيدة… رواية متماسكة وليست مجرد لقطة
تحتاج الصورة المعبّرة إلى وقت وتفكير، حتى في أصعب اللحظات.
فالفيديو الجيد هو الذي:
يكون ثابتًا وواضحًا،
يحتوي على بداية ونهاية،
يركّز على الإنسان،
ويقدّم قصة حقيقية تعكس الألم والواقع.
إن تصويرًا بلا وعي قد يُضعف الرواية، في حين أن لقطة واحدة مُتقنة قد تُغيّر الموقف الدولي أو تكشف جريمة لا تُنسى.
الكاميرا… الصف الأمامي في المعركة
يدرك الفلسطينيون اليوم أنهم يعيشون صراعًا مركّبًا: صراعًا على الأرض، وصراعًا على الحقيقة. وفي هذا الصراع، تتحوّل الكاميرا إلى سلاح دفاعي في مواجهة التعتيم الإعلامي ومحاولات الاحتلال لتزوير المشهد.
ولهذا، فإن كل مواطن — سواء كان محترفًا أو هاويًا — بات جزءًا من جبهة إعلامية واسعة تُحارب الزيف وتكشف العدالة، وتروي للعالم قصة شعب يُقاوم بإرادته وصورته ودمه.
دكتور محمد البيومي
الهيئة العامه للإعلام




