مقالات

الكتابة التي تفضح الصمت” بقلم الصحفية /رقيه فريد

الكتابة التي تفضح الصمت”

بقلم الصحفية /رقيه فريد

**في حوار عميق مع النفس وليس حوار صحفي كباقي الحوارات مع الكاتب فحسب، بل لقاء مع ضميرٍ يكتب.

ومع كاتبٌ لم يتعامل مع الأدب بوصفه ترفًا لغويًا، بل كمسؤولية أخلاقية، وكفعل إنساني ينحاز للصدق، ويقف في مواجهة الزيف.

من قلب فلسطين، تشكّلت رؤيته للعالم، وتشكل وعيه بالإنسان، فصار يؤمن أن الكتابة التي لا تجرح الصمت، لا تستحق أن تُكتب، وأن الإنسان إن لم يكن بلا أقنعة، فلن يكون حرًا.

في هذا الحوار، نقترب من فكرٍ يرى في الرواية شهادة، وفي النقد وعيًا، وفي الكلمة موقفًا لا حياد فيه.

“””أنا لا أبحث عن دور ولا أحب الصور الجاهزة

أحاول فقط أن أعيش بانتباه

وأن أكتب حين تضيق اللغة داخلي

لا أزعم الفهم ولا أملك يقينًا مريحًا

كل ما أملكه رغبة صادقة في ألا أمرّ على الحياة مرور العابر

إن كان في الكتابة ما يستحق البقاء

فهو هذا السعي الهادئ ,لأن نبقى بشرًا

وسط عالم يضغط علينا لنكون شيئًا آخر””””

 **هكذا بدا الكاتب المتمكن” يوسف أبو جيش” حديثه معى .

فأنا الآن أمام شخصية فريدة حقاً ..لا أجامل فهو كذلك وأكثر .

*ليست الكتابة عند يوسف أبو جيش فعلَ إجابة، بل مغامرة سؤالٍ مفتوح على الاحتمال. نصوصه لا تقود القارئ إلى يقينٍ مريح، بل تضعه في قلب الطريق، حيث المعنى هشّ، والهوية قابلة للتشظّي، والعزلة مرآة لا تُجامل أحد .

 **في أعمالك يبدو السؤال أقوى من الجواب

هل ترى أن الإجابات تغلق النص

بينما الأسئلة تبقيه حيًا..؟

-نعم , الإجابة تُغلق , والسؤال يترك النص حيًا

وكثير من البشر يستطيعون الإجابة لكن أصحاب وعي من ينتجون السؤال،و السؤال هو شكل من أشكال الوعي

لا أحب النصوص التي تطمئن القارئ

أحب تلك التي تُربكه قليلًا

وتُشاركه في التفكير بل تورطه

السؤال لا يفرض موقفًا

انما يقدم للقارئ مساحة و مدى

ولهذا أتركه بلا نهاية

لأن النص الذي يقدم جوابًا نهائيًا

ينتهي أسرع مما ينبغي في الذاكرة

**بين فلسطين والإنسان، بين الرواية والوعي، وبين الكلمة والضمير، تتشكل تجربة لا تسعى إلى التصفيق، بل إلى البقاء واقفة…

كما يجب أن تكون الكتابة دائمًا: شاهدة، صادقة، ومنحازة للإنسان.

 **كيف تؤثّر القضية الفلسطينية في وعيك الإبداعي دون أن تتحوّل إلى خطاب مباشر..؟

– فلسطين عندي قضية و هي قضية حق أكثر من انها وطني محتل و اتثر و تتأثر كتابتي فيها، مثلا احب ان اكتب عن الفرح لكن في بعض الأحيان أخجل من اواجع وطني فاكتب الوجع او اصمت

فلسطين تدخل النص من التفاصيل من اللغة

ومن الحساسية تجاه الظلم , لا من الشعارات

أحاول أن أتركها حاضرة كوجع إنساني

لا كخطاب جاهز ,لأن الألم حين يُقال بهدوء

يكون أصدق وأقسى في آن واحد

** لا أريد أن أقدم الكاتب “يوسف عزت أبو جيش “مرة أخرى فهو معروفا ولا يحتاج إلي تعريف به كونه كاتب روائي من مواليد 6/8/1980م من أصل فلسطينى ولكنه يتنقل ما بين السعودية والاردن لمجال عمله.

*حيث أنه أحد الأعضاء لدى رابطة الكتّاب الأردنيين.

*والمنتدى العربي الناصري الديمقراطي في عمّان

*وجمعية مناهضة الصهيونية

*ومنتدى الشباب العربي للتواصل في بيروت

*والندوة الفكرية الشبابية في بيروت

 *ومنتدى العدالة لأجل فلسطين.

 *كما عمل سابقًا في اتحاد المرأة الأردنية

 *وفي أزبكية عمّان للقراءة

 *وفي مؤسسة عكاظ للتدقيق اللغوي

 *وكان صاحب مكتبة كنعان لسنوات..

*هذا الحوار لا يبحث عن إجابات نهائية، ولا يطلب من صاحبه أن يكون صوتًا أعلى من غيره، بل يقترب من إنسان يريد

 ببساطة قاسية أن يعيش بصدق.

**نصوص مرآة العزلة كُتبت على امتداد سنوات

هل تغيّر الكاتب هو ما يمنح النص عمقه

أم أن النص هو من يغيّر كاتبه..؟

-العلاقة بين الكاتب والنص متبادلة

أنا تغيّرت أثناء الكتابة

لكن النص أيضًا أعاد تشكيل نظرتي لنفسي

بعض النصوص لا تكتمل لحظة كتابتها

تحتاج زمنًا كي تنضج

وتحتاج كاتبًا يتغير معها

حين أعود إليها

أراها مرآة لنسخ مختلفة مني

وهذا ما يمنحها عمقها الحقيقي

**وهل يمكن للإنسان أن يعرف نفسه دون أن يمر بتجربة العزلة..؟

-لا أعتقد ذلك , فمعرفة الذات تحتاج مساحة صامتة

بعيدًا عن الضجيج وعن صورنا في عيون الآخرين

في العزلة فقط , نسقط الأقنعة ونسمع صوتنا كما هو, لا كما نحب أن نبدو

قد تكون العزلة مؤلمة,لكنها الطريق الأصدق

لمعرفة من نكون,وما الذي نريده فعلًا

**في نهاية ظِلّ الطريق تسأل

هل ستظلّ الأسئلة تحكمنا

أم أن الأمل هو الجواب الذي لا نعرفه بعد..؟

-ربما الأسئلة هي شكلنا الوحيد للأمل

أن نسأل ,يعني أننا لم نستسلم

وأن الطريق, ما زال مفتوحًا ,ولو بلا لافتات.

**جميل وإلى أي حدّ ترى أن الكتابة تشبه السير في طريق بلا لافتات..؟

-الكتابة تشبه هذا الطريق تمامًا لا إشارات واضحة

ولا ضمانات أكتب دون خريطة وأتعلم أثناء السير

وأثق أن الخطأ جزء من المعنى لو كانت الطريق معبدة

لما احتجنا الكتابة أصلًا

فالكتابة تبدأ حين تختفي اللافتات.

**هل الضياع مرحلة ضرورية أو دافع للوصول

أم أنه الوصول نفسه..؟

-الضياع ليس عطبًا, بل هو شرط فهم كثير مما نعتبره وصولًا

ليس سوى توقف مؤقت أما الضياع

فهو الحالة التي نعيد فيها تعريف أنفسنا

أحيانًا نصل حين نتوقف عن البحث عن الوصول

ونفهم أننا كنا في المكان الصحيح لكن بوعي ناقص.

** يمكن للكلمات أن تكون درعًا في وجه الانهيار.فما رايك ..؟

-نعم لكنها ليست درعًا صلبًا ,هي درع هش يتشقق.

لكنه يمنحك وقتًا , وقتًا للفهم وللتنفس

ولعدم السقوط دفعة واحدة ,الكلمات لا تمنع الإنهيار

لكنها تؤجله, وتجعله أقل فتكًا

**كيف يمكن للأشياء غير الأصلية

أن تكون أصدق من نسخٍ مصقولة للحياة..؟

-لأنها لا تدّعي الكمال ولا تخفي نقصها

الأشياء غير الأصلية , صادقة مع شكلها

ومع حدودها ,أما النسخ المصقولة

فتُتقن الإخفاء, وتبيع صورة لا حياة فيها.

-“”التورط عندي ليس عشقا مريحا فهو:

-اقتراب بلا ضمانات.

-دخول في الشيء حتى النهاية, دون وعد بالنجاة.

-اكرر الكلمة لانها تصف علاقتي:

 -بالعالم

-وبغزة

-وبالنساء

-وبالابجدية

-لا اراقب من بعيد

-ولا احب من مسافة آمنة ادخل ,واتحمل الثمن

-فالعشق فيه لذة

-اما التورط ففيه مسؤولية , وخسارة محتملة

-“”ومع ذلك لا اعرف طريقة اخرى للعيش.

-“””أنا متورط بالشتاء ليس كفصل انما كحالة

ومتورط بالابجدية تلك الفكرة البسيطة التي تشغلني

تحميني, تدافع عني بصمت

وتمنعني من الانهيار حين يضيق كل شيء.

أحب مخيم اللاجئين وان كان هو مصدر للصداع و احب الرصيف

والفقراء و بساطات فى الشارع حتى لو كان فيها زيف

وحتى لو كان ما يباع عليها غير اصلي

هي تذكرني بطفولتي ,وبنشأتي الاولى

حين كانت الاشياء ابسط واصدق

ربما تكون تفاصيل صغيرة لكنها تعيدني إلي مرة آخرى.

-“وايضاً “انا متورط في المدن أحب أن يكون بيني وبين المدن علاقة أما حب أو عشق أو كره أو ملتبسة””

طنجة حبيبتي و عشقيتي سرا وبالعلن فهي المدينة المغربية التي غادرتها ولم تغادرني سكنتني أكثر مما سكنتها””.

**نحن الآن أمام كاتب لا يبحث عن الأضواء، بل أمام إنسان أختار,أن يكتب من منطقة مكشوفة,لا يكتب من موقع الحياد، بل من قلب التورّط… تورّطٌ في المدن، وفي الإنسان، وفي الأسئلة التي لا تبحث عن إجابات جاهزة. نصوصه ليست اعترافاتٍ شخصيّة بقدر ما هي محاولة لقول ما نعيشه جميعًا ونخفيه.

 الكاتب ” يوسف أبو جيش ” يرى في الأسئلة وطنًا مؤقّتًا، وفي الكتابة اعترافًا أقلّ قسوة، وفي الحقيقة عبئًا أخلاقيًا لا بدّ من حمله. بين المدن، والجسد، والإيمان، والهامش، والحرب، تتشكّل ملامح تجربة لا تسعى إلى الإرضاء، بقدر ما تسعى إلى الصدق.

يكتب لأنّ الصمت أثقل، ولأنّ الاعتراف، مهما كان مؤلمًا، أقلّ قسوة من الإنكار..

**حين تقول إنك متورّط بالشتاء كحالة لا كفصل

هل تشعر أن بعض الحالات الوجودية تسكننا أكثر مما نعبرها..؟

-نعم….هناك حالات لا نمرّ بها ثم نغادرها.. بل تقيم فينا

الشتاء عندي ليس طقسًا ,هو طريقة شعور, برودة داخلية

وتباطؤ في النظر إلى الأشياء

بعض الحالات تصبح جزءًا من تركيبنا,نعيش بها

ونرى العالم من خلالها ,حتى لو تغيّر الفصل.

 **ما الذي جعل الأبجدية عندك فعل حماية لا أداة كتابة…؟

-لأن الكتابة جاءت في لحظات كان الانهيار أقرب من الكلام

الأبجدية لم تكن وسيلة تعبير ,بل وسيلة تماسك

حين أكتب, أضع مسافة بيني وبين ما يؤذيني .لا لأهرب.

بل لأبقى واقفًا , الكلمات تحميني

لأنها تمنحني شكلًا لما لا أستطيع احتماله عاريًا

 **علاقتك بالمخيّم والرصيف وبسطات الشارع تبدو حميمة رغم قسوتها

هل الحنين عندك للعودة إلى المكان

أم إلى البساطة الأولى قبل تعقّد العالم…؟

– المخيّم عندي ليس مكانًا فقط هو أحد شواهد القضية الفلسطينية

نتاجها وشاهدها الأول والأخير , وأن لم يكن مثاليًا ولا بيئة صحية

لكنه كان بيئتي الأولى ,وفيه تشكلت ذاكرتي

الحنين ليس للمخيّم نفسه بل :

– للحالة

-للبساطة

-للحياة البطيئة, حين كانت الأيام تمشي على مهل

أما البسطات…فأحب الشراء منها لأنني كنت يومًا ما أقف على بسطة لأبيع.

وأعرف ماذا يعني أن تنتظر زبونًا ,وأن تحسب يومك بلقمة

هذا القرب ليس عاطفة, بل ذاكرة جسد وحياة عشتها

ولا أستطيع التنصل منها

-“”اخجل من عشرة ملايين نازح في السودان

-وانحني بكامل قامتي امام غزة بل اخلع ملابسي عاري امام وجعك ياغزة

-أنا شخص يثق اكثر في الاسئلة من الاجابات

-اعيش بين ما اريده وما يطلب مني

-واتعثر كثيرا بمحاولة ان اكون طبيعيًا

في عالم يطالبك بدور واضح -أحب التفاصيل الصغيرة التي لا تكتب

-واخاف من اليقين الطويل

-واؤمن ان الكتابة ليست شجاعة

-بل طريقة اقل قسوة للاعتراف

-كما اننى أحب الزقاق ,وأعشق وجبة ابي

لانه بوصلتي التى تعيد ترتيب العالم داخلي من جديد.

-وأحب السفر لا كهروب انما كنافذة لا تنتهى

-أومن بأن الله محبة وليس ان نقتل في بأسمه.

وعلى ما لم افهمه بعد

-اكره الحرب و الطائفية

-واكره اكثر الرأسمالية

-أحب هندسة الله في جسد النساء لا كاغراء بل كدهشة كمعنى

كحكمة لا تحتاج شرحا.

**يريد أن يكتب “يوسف أبو جيش “عن الأنسان بلا أقنعة فهو يرى أن المرأة كحياة لا كرمز والجنس كحقيقة إنسانية لا كفضيحة يكتب ما نعيشه ونخفيه. لا للإثارة. بل للصدق.. هو كاتب لا يعد بالخلاص، بل بالصدق….والصدق وحده، أحيانًا، يكفي..

**الحرب هو الوجع الإنساني,أمام المآسي الكبرى كالسودان وغزة

كيف يمكن للكاتب أن يعبّر دون أن يخون الوجع أو يستثمره..؟

-الوجع لا يحتاج بلاغة يحتاج صدقًا

أخاف من الكتابة حين تتحول إلى استعراض

وأحاول أن أقترب بحذر كمن يمشي قرب جرح مفتوح

أكتب من موقع الإنسان لا المعلّق وأترك الألم يقول نفسه

دون أن أرفعه شعارًا الصمت أحيانًا

أرحم من جملة جميلة في غير مكانها.

**حين تكتب عن المرأة والجنس بوصفهما حياة لا رموزًا

هل المشكلة في الموضوع

أم في خوف المجتمع من الصدق..؟

-الجنس غرزية و كذاب من يهرب من ذلك و على الكاتب لا يكتبها اغراء لكن كان المشهد الروائي يتطلب مشهد جنسي صريح يخدم الرواية.

 **لماذا يتحوّل الجسد في ثقافتنا إلى فضيحة بدل أن يكون حقيقة إنسانية…؟

– لأننا تعلّمنا القمع قبل الفهم ,الجسد يذكّرنا بما نحاول إنكاره

فنهاجمه , أو نخفيه. لو تعاملنا معه كحقيقة

لا كخطر لخفّ هذا الذعر ,الجسد ليس عيبًا

العيب في الطريقة التي ننظر بها إليه

الخلاصة في ها المحور الشائك

الجنس سلطة و انا معه كجسد و اغراء و ثقافة لا فضحية.

**هل الذاكرة عندك عبء يثقلك ,,, أم ملجأ تعود إليه لتبقى متوازنًا..؟

-هي الاثنان معًاً:

1-تثقلك حين تُلحّ

2-وتنقذك حين تضيع

الذاكرة ليست مريحة , لكنها صادقة ومن دونها أفقد الاتجاه

حتى لو كنت واقفًا في المكان الصحيح

*من أعمال الكاتب “يوسف أبو جيش ” الادابية :

-“” رواية ظل ألطريق”” وهى إصدار عام 2024 “بالاردن.

-وكتاب مرآة العزلة” وهو أصدار عام 2025بالسعودية،

 وهو كتاب يضم نصوصًا كُتبت على امتداد سنوات ما بين 2016عام وحتى 2020عام.

**عندما يمر الوقت هل تعيد قراءة نصوصك القديمة بوصفها امتدادًا لك

أم كأنها كُتبت بواسطة شخص آخر..؟

-أقرؤها أحيانًا بدهشة كأن شخصًا قريبًا مني كتبها

لكن ليس أنا تمامًا أتعرف على نبرتي

وأختلف مع يقيني القديم وهذا طبيعي

النصوص القديمة لا أخجل منها ولا أتبرأ منها

هي سجل تحوّل وليست دليل ثبات.

**اليوم وبعد هذا المسار هل ما زلت تؤمن بأن الأمل ممكن أم أنه سؤال مؤجّل..؟

-الأمل ليس يقينًا , ولا وعدًا ,هو تأجيل الهزيمة

ومحاولة أخرى للوقوف, لا أعرف إن كان ممكنًا

لكنني أعرف, أن التخلّي عنه, هزيمة مبكرة

**وفي ختامى لهذا الحوار المثمر بكل ما هو غذاء للروح .

أتمنى أن يكون القارئ الكريم خرج منه وهو أكثر يقينًا بأن الكتابة الحقيقية لا تُهادن، ولا تُجمّل القبح، ولا ترتدي أقنعة المجاملة.

مع فكر راقي مثل كاتبٌ يؤمن أن الأدب لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يمنع الإنسان من التواطؤ مع الظلم، ويمنحه شرف المحاولة.

اتمنى لحضرتك التوفيق والنجاح شكراً لك على شرف هذا الحوار معك تحياتي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى