مقالات
الكنيست يقر قانون الإعدام وسط صمت فاضح

بقلم/ناصر السلامونى
في خطوة تثير جدلًا واسعًا على المستويين القانوني والإنساني، أقرّ الكنيست الإسرائيلي اليوم مشروع قانون يفتح الباب أمام تطبيق عقوبة الإعدام في بعض القضايا التي تصفها إسرائيل بـ”الإرهاب”، في قرار يعيد إلى الواجهة أسئلة كبرى حول العدالة الدولية، وحدود القانون، وانتقائية المواقف العالمية تجاه قضايا حقوق الإنسان.
هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المضطرب، حيث تتشابك الحروب المفتوحة والتوترات السياسية، بينما تتحرك ملفات كبرى في العالم تحت ضغط السرعة والتصعيد، وكأن المنطقة والعالم معًا في حالة “تشويش سياسي” تسمح بتمرير قرارات شديدة الحساسية دون ضوء كافٍ من الرقابة أو النقاش الدولي العادل.
أين المجتمع الدولي من الحق في الحياة؟
من حيث المبدأ، يفترض أن يقف النظام الدولي، ممثلًا في الأمم المتحدة، ومعه المنظومة الحقوقية العالمية، كحائط صد أمام أي توسع غير منضبط في عقوبة الإعدام، خصوصًا عندما تُطرح في سياقات نزاع سياسي أو عسكري.
كما أن منظمات حقوق الإنسان الدولية دأبت على التحذير من خطورة توظيف العقوبات القصوى في بيئات غير مستقرة، حيث تختلط السياسة بالأمن، ويتحول القانون من أداة عدالة إلى أداة ردع جماعي قد يفتقد ضمانات المحاكمة العادلة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل ما زال تأثير هذه المؤسسات قادرًا على فرض معاييرها، أم أن صوت السياسة الأقوى أصبح يطغى على صوت القانون الدولي؟
الصمت العربي… أين الموقف الموحد؟
في المقابل، يظل الموقف العربي محط تساؤل متجدد، إذ تتحرك جامعة الدول العربية في إطار بيانات الإدانة التقليدية، دون امتلاك أدوات ضغط فاعلة قادرة على تحويل المواقف السياسية إلى تأثير قانوني أو دبلوماسي ملموس.
ويكشف هذا الواقع عن فجوة واضحة بين حجم القضايا المطروحة على الساحة، وبين مستوى الفعل السياسي العربي الجماعي، في وقت تتسارع فيه التطورات بشكل غير مسبوق، وتُعاد فيه صياغة موازين القوة في الإقليم.
التوقيت… السياسة حين تختبئ خلف ضجيج العالم
لا يمكن تجاهل أن تمرير هذا القرار جاء في لحظة دولية شديدة الحساسية، ينشغل فيها العالم بتصعيدات كبرى وأزمات متلاحقة، من بينها التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.
وهنا يبرز سؤال مشروع في التحليل السياسي:
هل يتم تمرير مثل هذه القرارات في لحظات انشغال عالمي مقصود، بحيث تقلّ قدرة الإعلام والرأي العام الدولي على المتابعة والضغط؟
سواء كان ذلك مصادفة أو حسابًا سياسيًا دقيقًا، فإن النتيجة واحدة: مساحة أقل للنقاش، وضغط دولي أضعف، وقرارات تمر في منطقة رمادية بين السياسة والقانون.
الأبعاد الإنسانية… حين يتحول القانون إلى مصدر قلق
أخطر ما في هذا القرار ليس فقط طبيعته العقابية، بل اتساع دائرة القلق حول تطبيقه المحتمل على الأسرى والمحتجزين في سياق الصراع المستمر.
ورغم غياب أرقام رسمية دقيقة حول عدد الحالات التي قد تشملها هذه التشريعات، فإن مجرد فتح الباب أمام عقوبة الإعدام في سياق نزاع سياسي–عسكري طويل الأمد يثير مخاوف جدية من توسع دائرة الاستهداف القانوني، بما قد يخلق واقعًا إنسانيًا بالغ التعقيد.
هل هو استثناء إسرائيلي أم امتداد عالمي؟
رغم أن عقوبة الإعدام موجودة في عدد من دول العالم، إلا أن الإشكالية هنا ليست في وجودها بحد ذاته، بل في توظيفها داخل سياق نزاع سياسي مفتوح، حيث تتداخل مفاهيم الأمن والعدالة والسياسة بشكل يجعل الحدود القانونية أكثر ضبابية.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام تشريع استثنائي مرتبط بظرف خاص، أم جزء من موجة عالمية أوسع تعيد تعريف مفاهيم الردع والعقاب؟
خاتمة: العالم بين القانون والسياسة
ما بين قرارات تصدر داخل البرلمانات، وصمت دولي متردد، ومواقف حقوقية تحذر ولا تُلزم، يبقى المشهد مفتوحًا على مزيد من التعقيد.
فالخطر الحقيقي ليس في قرار منفرد فقط، بل في تحول الاستثناءات إلى قواعد، وتحول الصمت الدولي إلى نمط دائم، في عالم يبدو أنه يعيد تعريف العدالة وفق ميزان القوة لا ميزان القانون.
وفي النهاية، يظل السؤال الأهم مطروحًا على المجتمع الدولي: هل ما زال الحق في الحياة قيمة مطلقة… أم أنه أصبح ملفًا قابلًا للتفاوض السياسي؟





