اللحظات التي لم نمنحها فرصة لتكتمل

اللحظات التي لم نمنحها فرصة لتكتمل
بقلم/نشأت البسيوني
في حياة كل إنسان لحظات كثيرة توقفت في منتصف الطريق لحظات كان يمكن أن تتحول إلى شيء أجمل لكنها ضاعت قبل أن تكتمل لأن الوقت لم يساعد أو لأن القلب تردد أو لأن الظروف اختارت أن تمشي في اتجاه مختلف تماما عما كان يتمناه الإنسان
هناك كلمات كان يمكن أن تقال في وقتها لكنها تأخرت حتى فقدت معناها وهناك لقاءات كان يمكن أن تغير الكثير لكنها لم تحدث أبدا
وهناك مشاعر كانت تتشكل ببطء ثم انطفأت قبل أن تأخذ شكلها الحقيقي الإنسان لا ينتبه لهذه اللحظات وهو يعيشها لكنه يعود إليها بعد فترة فيشعر بأنها كانت تحمل معنى أكبر مما فهمه في وقتها ربما كانت فرصة صغيرة جاءت في وقت غير مناسب أو لحظة دفء ظهرت وسط يوم عادي لكنه لم يمنحها الاهتمام الكافي
بعض هذه اللحظات كانت تحتاج فقط إلى خطوة شجاعة خطوة
واحدة كان يمكن أن تجعل المشهد يكتمل كما يجب لكن التردد كان أسرع من الأمل والخوف كان أعلى صوتا من الرغبة الصافية فاختفى كل شيء كما لو أنه لم يكن وبعض اللحظات توقفت لأن الحياة اختارت أن تكون أقوى من مشاعر الإنسان أقوى من خططه وأفكاره وتوقعاته فتفرق الطرق وتتغير المسارات ويصبح ما كان ممكنا يوما مجرد ذكرى صامتة لا يحدث أن تعود كما كانت مهما
حاول الإنسان الغريب أن هذه اللحظات التي لم تكتمل تبقى في الذاكرة بقوة أكبر من اللحظات التي اكتملت فعلا وربما لأنها معلقة بين ما كان يمكن أن يحدث وما لم يحدث بين احتمال مفتوح وواقع مغلق بين حلم صغير لم يأخذ حقه وفرصة لم تمش طريقها للنهاية قد يجلس الإنسان في ليلة هادئة فيتذكر وجها قابله صدفة لكنه لم يعرف كيف يبدأ حديثا معه أو مكالمة كان يريد أن يجريها
لكنه أجلها حتى ضاع وقتها أو مكانا مر به ولم يتوقف فيه رغم أنه شعر لوهلة أن شيئا ما كان ينتظره هناك وتكبر هذه اللحظات في الذاكرة كلما مر الزمن لأنها ليست لحظات خيبة بل لحظات ناقصة لم تعط فرصة لتقول ما بداخلها ومع مرور السنوات يفهم الإنسان أن الحياة لا تعطي دائما إنذارا قبل أن تسحب منّا شيئا وأن الأشياء الجميلة تحتاج أحيانا إلى لحظة جرأة واحدة كي تكتمل وألا تبقى
معلقة في الذاكرة دون نهاية يدرك أن اللحظات الناقصة ليست دائما خسارة بل جزء من رحلته جزء جعله يفكر ويتردد ويتعلم كيف يحتفظ بما يريد وكيف لا يترك ما يستحق أن يكتمل يضيع منه مرة أخرى دون أن يفعل شيئا فهذه اللحظات غير المكتملة هي التي تصنع داخله ذلك العمق الهادئ الذي يظهر مع الزمن وتجعله يعرف قيمة الفرص حين تأتي مرة أخرى حتى لا تبقى مجرد صفحة نصف مكتوبة في كتاب حياته





