المدارس ليست ملكية خاصة :

المدارس ليست ملكية خاصة :
هويده عبد العزيز – الاسكندرية
——————————————————–
شهدت مدرسة البكاتوشي الابتدائية الحكومية أزمة حقيقية بعدما أصبح مبناها القديم آيلاً للسقوط، ما اضطر الإدارة التعليمية إلى دمج طلابها في الفترة المسائية داخل مبنى مجمع مدارس الشهيد محمد أحمد سالم الرسمية التجريبية للغات (المحور 8 سابقًا) بالاسكندرية.
لم يكن الدمج خيارًا إداريًا أو خطة تربوية مطروحة، بل خطوة اضطرارية فرضتها الحاجة الملحّة للحفاظ على سلامة الطلاب. فسلامة الطفل لا تُختزل في جهاز إنذار أو نقطة تجمع أو دفتر متابعة، بل تتطلب منظومة تربوية شاملة تُعلّم الأطفال المسؤولية وتقي من الفوضى وسوء السلوك.
ومع ذلك، فإن نقل الطلاب بهذه الصورة العاجلة، دون أي تهيئة نفسية أو اجتماعية تضمن لهم اندماجًا سلسًا في بيئة جديدة تختلف في نظامها وتقاليدها عن مدرستهم الأصلية، أدى إلى مشكلات متعددة، أبرزها النظافة والانضباط وطريقة الدخول والخروج.
ما زاد الأزمة تعقيدًا هو الأسلوب الذي تناول بعض أولياء الأمور للشكاوى، إذ انحرفت من نقاش تربوي إلى منطلق طبقي استعلائي تجاه طلاب المدارس الحكومية.
فبعض أولياء الأمور في المدرسة التجريبية تحدثوا بلهجة تعميمية وجارحة، وكأن الطلاب القادمين من المدرسة الحكومية فئران دخيلون على المكان.
وهذا الأسلوب كثيرًا ما حذر منه خبراء التربية لأنه يحوّل الموقف المتأزم إلى تنمّر اجتماعي مقنّع، ويزرع في نفوس الأطفال شعورًا بالدونية وأنهم كائنات غير مرغوب فيها، في وقت يحتاجون فيه إلى الدعم والإرشاد وليس الإقصاء والنبذ الاجتماعي.
المعلمون أنفسهم أشاروا إلى أن الأطفال يعيشون حالة من التوتر، فهم انتقلوا إلى مبنى تربوي حديث مجهز بسبورات تفاعلية وتقنيات حديثة، لكن دون أن يشعروا بأنهم جزء من نسيجه، ودون أن يتلقوا إرشادًا يعرّفهم بقواعد الانضباط في المدرسة الجديدة.
وحسب علم السلوك الحيواني، وبما أن الإنسان حيوان ناطق، فإن شعور الأطفال طبيعي ويعرف بـ(Fight or Flight) عندما تُنقل الحيوانات من بيئتها إلى مكان جديد؛ فهي تمر بسلوكيات ارتباك وفوضى مؤقتة، إذ تفقد العلامات المألوفة التي تمنحها الشعور بالأمان، فتتأرجح بين الحذر والاندفاع، بين الدفاع والانسحاب، ريثما تعيد اكتشاف المكان وتشكّل علاقة جديدة معه.
هذا الاضطراب ليس سوء سلوك، بل استجابة طبيعية للكائن الحي أمام التغير المفاجئ.
وينطبق الأمر ذاته على الأطفال المنقولين من مدرسة إلى أخرى: ينقلون بلا تمهيد، فيربكهم اختلاف النظام والوجوه والقواعد، فيظهر سلوكهم كفوضى بينما هو في الحقيقة بحث عن توازن وأمان. فكما تحتاج الحيوانات فترة تكيّف مدعومة، يحتاج الأطفال إلى احتواء وإرشاد قبل مطالبتهم بالانضباط.
ومع تصاعد الشكاوى، بدت المسؤولية واضحة:
إدارة الدمج لم تُدار بشكل تربوي يراعي الفوارق الاجتماعية والنفسية بين الطلاب. و من الضروري توفير ندوات إرشادية، وخطة واضحة للنظام اليومي، وأنشطة مشتركة تعزّز الانتماء وتكسر الحواجز.
فينبغي على أولياء الأمور مرعاة أن الطلاب ليسوا مسؤولين عن الفوضى التي قد تحدث، بل هم ضحية انتقال مفاجئ لم يُمهد له كما يجب، و ضحية مبنى متآكل احتاج إلى ترميم شامل يشمل الفصول والأسقف وشبكات المياه والكهرباء كان من الممكن أن يتحول لكارثة إذا لم يتم التدخل.
المشهد برمته يكشف أن حلول الطوارئ في التعليم قد تنقذ الأطفال من خطر السقوط تحت سقف متهالك، لكنها قد تخلق أشكالًا أخرى من الأزمات إذا غابت عنها الرؤية: خطر الانقسام، خطر التنمر، وخطر الشعور بالاختلاف.
وهو ما يعيد طرح قضية أساسية يُفترض ألا تغيب عن أولياء الأمور.
المدارس ليست ملكية خاصة، ولا أماكن مغلقة لفئة دون أخرى، بل مؤسسات عامة خُلقت لخدمة جميع الأطفال على اختلاف خلفياتهم. التعامل مع المدرسة كحكر طبقي يناقض دورها التربوي ويحوّلها من فضاء للتعلم إلى ساحة صراع مجتمعي.
إن الدمج كان ضرورة، لكن إدارة الضرورة تحتاج إلى رؤية أعمق توازن بين السلامة الجسدية والسلامة النفسية والاجتماعية. وما يطالب به أولياء الأمور اليوم هو سرعة استكمال الترميم، وتنظيم ندوات توعية، وضبط الدخول والخروج، وإنهاء لغة التنمر كخطوة أساسية لإعادة المدرسة إلى دورها الحقيقي: مكان يحتضن الأطفال ولا يفرّق بينهم، ويبني مجتمعًا حضاريًا صغيرًا قائمًا على احترام الآخر والمشاركة المجتمعية، لا على عمل المقارنات والإقصاء والتهميش ونبذ الآخر.




