المسرح … حين يسبق السؤالُ زمنَه..
بقلم / منير راجي
من ( لغة المسرح ) سنة 1989 إلى تحولات التعبير اليوم
في 30 جوان 1989، نشرتُ في مجلة ( المجاهد ) الأسبوعية الجزائرية مقالا بعنوان:
( من المسؤول عن لغة المسرح؟ )
كان ذلك قبل أكثر من ثلاثة عقود.
واليوم، وأنا أعود إلى ذلك المقال المنشور في العدد 1508، لا أعود إليه بدافع الحنين إلى نص قديم، ولا لأقول إنني كنت أمتلك قدرة على التنبؤ بالمستقبل، وإنما أعود إليه لأطرح سؤالا أعتقد أنه يستحق التأمل:
هل كانت بعض أفكاري آنذاك تحمل نظرة استشرافية، أم أنني كنت أطرح سؤالا عابرا فرضه واقع المسرح في ذلك الزمن؟
لا أريد أن أجيب عن السؤال نيابة عن القارئ.
بل أريد أن أضع أمامه النص كما كتبته سنة 1989، ثم أضع إلى جانبه ما حدث بعد ذلك، وأترك للزمن أن يكون هو الحكم.
ففي ذلك المقال، لم تكن القضية بالنسبة إليّ مجرد اختيار بين الفصحى والعامية، ولم تكن اللغة مجرد وسيلة يتحدث بها الممثل فوق الخشبة.
كنت أنظر إلى المسرح باعتباره علاقة بين النص والممثل والجمهور والمجتمع، ولذلك تصبح اللغة جزءا من سؤال أكبر:
كيف يستطيع المسرح أن يصل إلى الإنسان؟
وهذا السؤال لم يتوقف عند حدود سنة 1989.
بل إن السنوات التالية كشفت أن لغة المسرح نفسها أخذت تتغير وتتسع.
في الجزائر، ظهرت تجارب مسرحية بحثت عن لغة أكثر قربا من الجمهور، واستفادت من التراث الشعبي، ومن السرد الشفهي، ومن شخصية القوّال والحلقة. ولم يكن ذلك مجرد اختيار جمالي، وإنما كان بحثا عن صيغة تجعل المسرح أكثر قدرة على التواصل مع المتلقي.
وهنا أتوقف عند تجربة عبد القادر علولة تحديدا، لأنها تقدم مثالا جزائريا واضحا على أن سؤال اللغة المسرحية لم يكن سؤالا نحويا أو لغويا فقط، وإنما كان سؤالا عن كيفية بناء العلاقة بين المسرح والجمهور.
ثم اتسعت المسألة عربيا.
فالمسرح العربي أخذ يتحرك بين الفصحى والعامية، وبين التراث والحداثة، وبين النص الأدبي والعرض البصري، وبين اللغة المكتوبة ولغة الجسد والصوت والموسيقى.
وبذلك بدأت عبارة ( لغة المسرح ) تكتسب معنى أوسع من الكلام المنطوق.
فالضوء لغة، و الجسد لغة والصوت لغة ، و الحركة لغة، و الموسيقى لغة، و الصورة لغة …
بل إن التكنولوجيا نفسها أصبحت تدخل في بناء العرض المسرحي وتشكيل علاقته بالمتلقي.
وهنا أجد نفسي أعود إلى السؤال الذي طرحته قبل أكثر من ثلاثين عاما:
من المسؤول عن لغة المسرح؟
ربما كان السؤال يومها يبدو مرتبطا بالكلمة، لكنه اليوم يبدو أوسع بكثير.
لقد أصبح المسرح أمام جمهور يعيش في عالم الصورة والشاشة والمنصات الرقمية، ويتلقى المعلومة في ثوان، وينتقل بسهولة بين لغات وثقافات وأشكال مختلفة من التعبير.
ولذلك لم يعد المسرحي يواجه سؤال:
بأي لغة أكتب؟ فقط .
بل أصبح يواجه سؤالا أكثر تعقيدا:
بأي لغة أتواصل مع إنسان هذا العصر؟
وهذا التحول لم يكن جزائريا فقط.
ففي المسرح العالمي أصبحت الترجمة والعناوين المصاحبة، ولغة الإشارة، والوسائط البصرية، والتقنيات الرقمية، عناصر حاضرة في تجارب كثيرة، وأصبح العرض المسرحي قادرا على مخاطبة جمهور لا يتحدث لغة النص الأصلية.
وهنا يتأكد لي أن لغة المسرح ليست قاموسا مغلقا، وإنما كائن حي يتغير كلما تغير الإنسان.
وقد يبدو هذا الكلام اليوم طبيعيا.
لكن عندما أعود إلى مقال كتبته سنة 1989، أجد أن السؤال كان موجودا في وقت كانت فيه أدوات التعبير أقل اتساعا بكثير مما هي عليه الآن.
لم تكن الهواتف الذكية موجودة.
لم تكن المنصات الرقمية جزءا من حياتنا.
لم تكن الصورة الرقمية قد أصبحت لغة يومية.
ولم يكن الذكاء الاصطناعي حاضرا في المشهد الثقافي كما هو اليوم.
ومع ذلك كان السؤال قائما:
كيف نبحث عن اللغة التي تجعل المسرح قادرا على الوصول إلى جمهوره؟
وهنا بالضبط أجد أن معنى الاستشراف يحتاج إلى شيء من الدقة.
الاستشراف ليس أن أقول:
( لقد توقعت كل ما سيحدث. )
هذا ادعاء لا أريده.
فالكاتب لا يعرف الغيب، ولا يستطيع أن يرسم تفاصيل المستقبل.
لكن الاستشراف، في رأيي، قد يكون في شيء آخر:
أن تطرح سؤالا في زمنه، ثم يأتي المستقبل ليكشف أن السؤال كان أعمق من زمنه.
وهذا ما يجعلني اليوم أعيد قراءة مقالي القديم.
فأنا لا أبحث فيه عن نبوءة، وإنما أبحث عن بذرة فكرة.
والبذرة لا تشبه الشجرة.
لكن الشجرة تكشف أحيانا ما كان مختبئا داخل البذرة.
من المسرح إلى الشعر… ومن الكلمة إلى الصورة
ولعل الأمر لا يتوقف عند المسرح.
فمنذ سنوات طويلة وأنا أرى أن مستقبل الشعر لا يمكن أن يبقى محصورا في الصفحة، وأن الشعر قادر على أن يجد امتداده في الأغنية والصوت والصورة، وأن الرواية بدورها لا تعيش فقط داخل الكتاب، بل يمكن أن تنتقل إلى السينما والتلفزيون والمنصات الجديدة.
واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، تتسارع هذه التحولات بصورة أكبر.
لكن الفكرة في جوهرها واحدة:
وسائل التعبير تتغير، والإنسان هو الذي يبحث باستمرار عن لغة جديدة للوصول إلى الإنسان.
وهذا يجعلني أرى أن القضية التي طرحتها في المسرح سنة 1989 كانت جزءا من سؤال أكبر بكثير:
من يحدد مستقبل التعبير الإنساني؟
هل هو الكاتب وحده؟ أم الجمهور؟ أم الوسيلة؟ أم التكنولوجيا
أم التفاعل بين كل هذه العناصر؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
لكن المؤكد أن اللغة التي لا تتغير مع تغير الحياة تتحول إلى قيد، وأن الإبداع الذي يخاف من تحولات وسائطه قد يجد نفسه في النهاية يتحدث إلى الماضي بدل أن يحاور المستقبل.
لماذا أعود إلى هذا المقال الآن؟
لأنني أؤمن أن النص القديم يمكن أن يصبح شاهدا على صاحبه، لا بمجرد قدمه، وإنما بقدرته على محاورة الحاضر.
ولهذا أضع اليوم مقال ( من المسؤول عن لغة المسرح؟ ) أمام القارئ كما نشرته مجلة ( المجاهد ) في 30 جوان 1989.
لا أطلب منه أن يصفق لي.
ولا أريد أن أقول له إنني كنت أرى المستقبل.
أريد فقط أن أقول:
اقرأ النص أولا… ثم انظر إلى ما حدث بعده.
وبعدها احكم بنفسك:
هل كانت تلك الأفكار مجرد أسئلة تخص مسرح سنة 1989؟
أم أنها كانت تحمل، ولو جزئيًا، بدايات رؤية لما ستصبح عليه لغة التعبير في المستقبل؟
فربما لا تكون قيمة الكاتب في أن يعرف المستقبل، وإنما في أن يشعر مبكرا بأن الحاضر لن يبقى كما هو.
وربما يكون الفرق بين الكاتب الذي يعيش زمنه والكاتب الذي يستشرف زمنا آخر هو قدرته على طرح السؤال قبل أن يصبح السؤال مألوفا.
في سنة 1989 سألت: من المسؤول عن لغة المسرح؟
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، ربما أصبح السؤال:
من المسؤول عن لغة الإنسان في عصر تتغير فيه وسائل التعبير أسرع من قدرتنا على تسميتها؟
وهنا أترك لك عزيزي القارئ النص الأصلي الذي كتبته سنة 1989، دون تدخل أو إعادة صياغة، حتى تكون الوثيقة أمامك ويكون الحكم لك.
النص الأصلي المنشور سنة 1989
( من المسؤول عن لغة المسرح؟ )
مجلة ( المجاهد) – الأسبوعية الورقية الجزائرية
30 جوان 1989 – العدد 1508
من المسؤول عن لغة المسرح …؟
بقلم / منير راجي
كُلّنا نعرف أن المسرح أحد الفنون الأدبية التمثيلية الذي يعتمد أساسا على تجسيد الأفكار و طرحها على الجمهور من خلال الخشبة في ظرف زمني محدد قد لا يتجاوز الساعتين…
عندما نتكلم عن المسرح فإنّنا نتكلّم عن دوره الإعلامي قبل كل شيء و مدى أهميته في إيصال الأفكار إلى الجمهور , لهذا استلزم علينا أن نتطرق و لو بإيجاز إلى دور المسرح كوسيلة إعلامية قد تكون أنفع وسيلة و قد تكون عكس ذلك تماما و ذلك حسب المضامين و الأفكار السائدة فيه.. قد يعتقد البعض أنّ المسرح ما هو إلاّ فترة زمنية ترفيهية نضحك فيها و نتسلى لقضاء أوقات الفراغ , و منهم من يعتقد أن المسرح ما هو إلاّ عمل هزلي, حتى اقترنت كلمة مسرح عندنا بكلمة ضحك نتيجة الفهم الخاطئ لهذا الفن الإعلامي الهام , و ما زاد الطين بلة هو عدم الفهم الحقيقي للمسرح من طرف مُمارسيه من ممثل و مخرج و كاتب…
إذا أردنا إصلاح ظاهرة اجتماعية خطيرة فلا بد أن نستعمل هذا الإصلاح في قوالب أدبية و فنية متنوعة , فالشاعر من جهته يحاول الإصلاح بطريقته الخاصة و الروائي بتصوراته للأحداث و المسرحي بحواراته و حركاته… فالمسرح وسيلة و غاية للإصلاح سواء كان إصلاحا اجتماعيا أو ثقافيا او فكريا أو سياسيا… و انطلاقا من هذه الفكرة نستطيع أن نُحَدّد نوعية اللّغة المُستعملة من طرف المسرح مع مراعاة ثقافة و مستوى السواد الأعظم من الشعب ,
و هنا لسنا بصدد تقييد الكاتب المسرحي في لغته المستعملة , فالكاتب لابد و أن يحاسب على لغته و من واجبه أن يبدع بالفصحى , إلاّ أننا نطالب المخرج المسرحي أن يعرف كيف يستغل العمل المسرحي و أن يستخدم طاقاته الفنية لغرض توضيح هذا العمل و تبسيطه لغويا و فكريا حسب المستوى اللغوي و الفكري للشعب مع حفاظه التام على المضمون , لكن للأسف الشديد لا زال جُلّ مخرجينا المسرحيين لم يدركوا بعد دوزرهم المنوط بهم و يكتفون دائما قائلين بأنّ الكتابة المسرحية في بلادنا لا تزال ضعيفة و منعدمة ..
بصراحة هناك براعم في هذا المجال و لكن نظرا لإهمالهم من طرف المخرجين لجئوا إلى عمل إبداعي آخر .. يؤسفنا جدا أن نسمع من بعض الممثلين و المخرجين ينتقدون كُتاَّب المسرح و يلومونهم عن اللغة المستعملة ( الفصحى ) و يُبرّرون قولهم بأن هؤلاء المؤلفين لم يحترموا لغة الشعب .., فكيف يحق لمخرج أو ممثل أن يفرض لغة معينة على المبدع ؟..
ان الكاتب المسرحي قبل كل شيئ مطالب بأن يكتب بلغة فصيحة سليمة حتى تتعدى التراب الوطني و تعم جميع أقطار العالم العربي و بالتالي تستطيع أي دولة أو بلد عربية أن تخرج منها مسرحية على الخشبة باللغة التي تراها لائقة و مناسبة , و هكذا يصل النص المسرحي إلى كافة الشعوب العربية على اختلاف لهجاتها..
فالكاتب المسرحي من وجهة نظري لا يستطيع ان يكتب بالعامية لأن أمامه أهداف عديدة يريد ايصالها الى المجتمع من بينها ترقية المستوى اللغوي للقارئ , و قد جرب العديد من كتاب المسرح الكتابة بالعامية و لكن لم يفلح و نذكر على سبيل المثال توفيق الحكيم و محمود تيمور و غيرهم .. ان المخرج المسرحي في بلادنا لايزال نائما و همه الوحيد هو ان يبرز اسمه على الشاشة في بداية المسرحية و أحيانا يتعدى ذلك كاحتكاره للمسرحية فهو المخرج و هو الممثل و هو المؤلف ..
ترى لماذا لم يكن توفيق الحكيم ممثلا و مخرجا و نفس الشئ بالنسبة لنجيب محفوظ و احسان عبد القدوس و أحلام مستغانمي و ميخائيل شولوخوف و..و .. لماذا كل هؤلاء لم يكتبوا بالعامية رغم أننا نلاحظ أن كل رواياتهم الفصيحة تحولت الى أفلام او مسرحيات بالعامية ؟ طبعا لان المخرج قام بدوره و تفهم المهمة التي هو بصددها ..,
فالمسرح رسالة قبل كل شيئ , و ليس شهرة و تخزين أموال … ان لغة المسرح التي كثيرا ما نجد بعض مفكرينا و نقادنا بصدد طرحها و مناقشتها لا تحتاج الى كل هذا النقاش و هذا الجدال .., فاللغة مقرونة بلغة السواد الأعظم من الشعب و هذا الموضوع لا يهم الكاتب على الاطلاق و انما يهم المخرج و كاتب السيناريو او المقتبس بالدرجة الأولى , علينا أيضا أن لا نفهم المسرح كوسيلة لعلاج مرض اجتماعي أو سياسي فحسب و انما كوسيلة لرفع المستوى اللغوي للفرد و حتى المستوى الأدبي هذا الأخير الذي لم يأخذ حقه على الاطلاق في بلادنا رغم أن أدبنا العربي غني بالشعر المسرحي و بالروايات التي بامكانها ان تتحول الى مسرحيات عالمية ..
يجب أن نجعل من المسرح غذائنا الروحي و الفكري و الوجداني حتى نتمكن من رفع مستوى الذوق الفني لدى مجتمعاتنا الذي ظل طيلة فترة من الزمن ينظر الى المسرح نظرة خاطئة , و أن نسعى جاهدين الى خلق مدرسة مسرحية متطورة تحقق طموحات و آمال جيلنا , و أن نعمل أيضا على تشجيع المواهب المسرحية من مؤلفين و ممثلين و مخرجين .. و تبقى لغة المسرح فصيحة نصا و عامية عمليا … ( بقلم / منير راجي ) … انتهى النص .
وفي النهاية، لا أريد أن أقول إنني كنت أعرف المستقبل. بل أقول شيئا أبسط:
لقد طرحت سؤالا سنة 1989، وما زال السؤال مفتوحا اليوم. وربما تكون قيمة بعض الأسئلة أنها لا تجد جوابها في زمن ولادتها، وإنما تحتاج إلى سنوات طويلة حتى يكشف المستقبل لماذا كان علينا أن نطرحها منذ البداية.
بقلم / منير راجي ( وهران / الجزائر )









