المنبر أمانة.. فهل نؤدي الأمانة؟ محمود سعيد برغش
المنبر أمانة.. فهل نؤدي الأمانة؟ محمود سعيد برغش
المنبر أمانة.. فهل نؤدي الأمانة؟
محمود سعيد برغش
كم من واعظٍ اعتلى المنبر، فأبهر الناس بفصاحة لسانه، وزيَّن حديثه بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، واستشهد بأقوال الصحابة والتابعين والعلماء والفقهاء، حتى اهتزت القلوب وتأثرت النفوس، وظن السامعون أنهم أمام رجل لا يخشى في الله لومة لائم.
ولكن المؤلم أن بعض من يعتلون المنابر يختلف حالهم بعد النزول منها؛ فتجد من كان يتحدث عن الحق والعدل والشجاعة في قول كلمة الحق، يصمت حين يحين وقت الموقف، ويجامل حين يكون الواجب النصح، ويخشى الناس أكثر مما يخشى الله، وكأن الكلمات التي ألقاها كانت موجهة للآخرين لا لنفسه.
إن المنبر ليس مكانًا للبلاغة فقط، بل هو أمانة ومسؤولية. فمن دعا الناس إلى الصدق فليكن صادقًا، ومن دعاهم إلى الشجاعة فليكن شجاعًا، ومن حثهم على قول الحق فليقل الحق ولو على نفسه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه».
ولا أقصد بهذا الحديث التعميم على جميع العلماء والوعاظ والخطباء، فوالله إن فيهم رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يقولون الحق ويثبتون عليه ويتحملون تبعاته، وهؤلاء هم ورثة الأنبياء حقًا، وهم الذين نحفظ لهم مكانتهم ونقدر جهودهم.
لكن رسالتي إلى الفئة التي جعلت من المنبر كلمات تُقال لا مواقف تُعاش: اتقوا الله في الأمانة التي حملكم إياها الناس، فالكلمة مسؤولية، والمنبر شهادة، والدعوة ليست خطبة تنتهي بنزول الخطيب، بل سلوك وموقف وقدوة.
فمن صعد المنبر فليعلم أنه يحمل أمانة عظيمة، فإن لم يستطع أن يقول الحق أو يعمل بما يدعو إليه، فليخف من سؤال الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.






