المولد النبوي. حين لا يكفي أن نحتفل
بقلم : إسراء محمد
كل عام, حين يقترب المولد النبوي الشريف, تتغير تفاصيل صغيرة من حولنا؛ تظهر حلوى المولد في كل مكان وتتزين الشوارع والبيوت، تتسابق التهاني على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعلو عبارات الصلاة والسلام على النبي محمد “صل الله عليه وسلم”. نفرح بالمناسبة كما اعتدنا، ونستعيد ذكرى عزيزة على قلوبنا، لكن وسط كل هذا الفرح يظل هناك سؤال, ربما لا نمنح أنفسنا وقتًا كافيًا لنسأله, ماذا سيبقى من المولد حين ينتهي الاحتفال؟…
السؤال ليس دعوة إلى التقليل من مظاهر الفرح، ولا اعتراضًا على الاحتفال، وإنما محاولة للنظر إلى المناسبة من زاوية أخرى؛ زاوية تجعلنا نفكر في أثرها علينا، لا في شكلها فقط.
فالمولد النبوي مناسبة نستعيد فيها سيرة النبي محمد صل الله عليه وسلم، ونقترب من قيم ارتبطت بسيرته الرحمة والصدق والأمانة والعدل وحفظ كرامة الإنسان وحين نتأمل وصف القرآن الكريم للنبي صل الله عليه وسلم، نجد أن أعظم ما يلفت النظر ليس مكانته فحسب وإنما أخلاقه، يقول الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي هل نكتفي بتذكر هذه القيم أم نحاول أن نعيش شيئًا منها؟
ربما تبدو الإجابة سهلة لكن الحياة اليومية تجعلها أصعب مما نتخيل
نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الكلمات أسرع من الأفعال نستطيع في ثوانٍ أن نكتب عن الرحمة ونشارك كلمات عن التسامح، وننشر عبارات عن حسن الخلق ثم نعود إلى حياتنا فنكتشف أحيانًا أن المسافة بين ما نقوله وما نفعله ليست قصيرة.
قد نتحدث عن الرحمة ثم نقسو على أقرب الناس إلينا
وقد نكتب عن التسامح بينما نحمل خصومة قديمة لا نريد أن تنتهي.
وقد نمدح الصدق ثم نبحث عن مبرر للكذب عندما يصبح الصدق مكلفًا.
وهنا أظن أن السؤال الأهم ليس هل نحب النبي صل الله عليه وسلم؟ بل ماذا صنعت هذه المحبة في أخلاقنا؟
فالقرآن الكريم لم يصف رسالة النبي صل الله عليه وسلم بأنها رسالة تخص فئة دون غيرها وإنما قال سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ والرحمة هنا ليست كلمة نرددها في المناسبات وإنما قيمة يمكن أن تظهر في طريقة تعاملنا مع الإنسان أياً كان موقعه منا
المحبة التي لا تترك أثرًا في السلوك تظل شعورًا جميلًا لكنها لا تكتمل والاقتداء لا يحتاج دائمًا إلى أفعال كبيرة يراها الناس ربما يبدأ من تفاصيل صغيرة لا يراها أحد.
أن تملك نفسك حين تغضب.
أن تعتذر عندما تخطئ بدلًا من أن تقضي وقتك في البحث عن مبررات لخطئك
أن تحفظ سرًا ائتمنك عليه أحد.
أن تؤدي الأمانة حتى عندما لا يوجد من يراقبك.
أن تمنع كلمة قاسية قبل أن تخرج من فمك.
أن ترحم إنسانًا يمر بوقت صعب حتى لو لم يطلب منك شيئًا.
أن تختلف مع شخص دون أن تهينه.
وأن تعرف أن قدرتك على الرد لا تعني دائمًا أن الرد هو الاختيار الصحيح.
في هذه التفاصيل الصغيرة يظهر معدن الإنسان الحقيقي لا في الكلام الذي يقوله عن نفسه.
ولعل القرآن الكريم وضع أمامنا معنى واضحًا للاقتداء حين قال سبحانه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
أسوة حسنة أي أن في سيرته نموذجًا يمكن أن نتعلم منه، لا مجرد سيرة نقرأها ثم نغلق الكتاب.
ولهذا يمكن أن يكون المولد النبوي فرصة لمراجعة أنفسنا، لا للاحتفال فقط. فرصة لأن ننظر إلى الأشياء التي اعتدنا اعتبارها عادية رغم أنها تؤذي من حولنا. أن نراجع طريقتنا في الكلام وفي الخصومة وفي الحكم على الآخرين وفي التربية وفي العمل وفي علاقاتنا داخل بيوتنا.
كم من كلمة قيلت في لحظة غضب وظل أثرها سنوات؟
وكم من إنسان كان يحتاج إلى احتواء فحصل بدلًا منه على محاضرة طويلة؟
وكم من طفل كبر وهو يظن أن الخطأ لا يستحق الرحمة، لأن الكبار من حوله لم يعرفوا كيف يفرقون بين التربية والقسوة؟
إن السيرة النبوية ليست مجموعة من الأحداث التي نعرفها ونحفظها وإنما مصدر قيم يمكن أن نجد صداها في حياتنا اليومية وعندما نستعيدها في مناسبة مثل المولد يصبح من الطبيعي أن نسأل أنفسنا كيف يمكن لهذه القيم أن تظهر في بيوتنا وعلاقاتنا وأعمالنا؟
ولعل الأسرة هي أول مكان ينبغي أن يظهر فيه هذا الأثر
فلا يكفي أن نخبر أبناءنا بمحبة النبي صل الله عليه وسلم ثم نتركهم يرون في البيت الغضب والإهانة والعنف اللفظي وكأنها أمور عادية. الطفل يتعلم الأخلاق مما يراه قبل أن يتعلمها مما يسمعه.
حين يرى والده يعتذر إذا أخطأ يتعلم أن الاعتذار ليس ضعفًا.
وحين يرى أمه ترحم من أخطأ إليها يتعلم أن التسامح ليس مجرد كلمة.
وحين يرى أفراد أسرته يختلفون دون أن يهين بعضهم بعضًا يتعلم أن الاختلاف لا يعني الكراهية.
وحين يرى الكبير يرحم الصغير، والقوي يحترم الضعيف وصاحب القدرة يرفض استغلالها يفهم معنى الأخلاق بطريقة قد لا تنجح عشرات الدروس في إيصالها.
وهنا يمكن للمولد النبوي أن يصبح فرصة لإعادة تقديم السيرة إلى أطفالنا بصورة أقرب إلى حياتهم لا باعتبارها معلومات عليهم حفظها، وإنما باعتبارها قيمًا يستطيعون تطبيقها الصدق والرحمة والأمانة واحترام الآخرين والقدرة على الاعتذار والعفو حين يكون العفو ممكنًا.
وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا لا مشكلة في أن نشارك التهاني والكلمات الجميلة ولا في أن نعبر عن محبتنا للنبي صل الله عليه وسلم لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الصورة بديلًا عن المعنى والمنشور بديلًا عن السلوك.
قد نكتب أجمل الكلمات عن الرحمة ثم لا نرحم أحدًا.
وقد ننشر عن التسامح ثم نقضي سنوات نعاقب إنسانًا على خطأ واحد.
وقد نتحدث عن الأخلاق أمام الناس ثم نمارس عكسها حين نغلق الأبواب.
لذلك ربما يكون أجمل ما يمكن أن نضيفه إلى احتفالنا شيئًا لا يستطيع أحد تصويره أو نشره
خصومة تنتهي.
اعتذار يُقال.
قلب يتخلى عن الحقد.
صلة رحم تعود بعد انقطاع.
إنسان نسأل عنه لأنه غاب.
محتاج نساعده دون أن ننتظر منه شكرًا.
طفل نمنحه الأمان بدلًا من أن نزيد خوفه.
وكلمة طيبة نقولها لشخص ربما كان يحتاج إليها أكثر مما نتصور.
هذه الأشياء لا تصنع ضجيجًا لكنها تصنع أثرًا.
وربما نحن في حاجة اليوم إلى هذا النوع من الاحتفال أكثر من أي وقت مضى؛ احتفال لا يملأ الشوارع بالمظاهر فقط بل يملأ البيوت بالرحمة والعلاقات بالصدق والقلوب بالتسامح والمجتمع بالإنصاف.
فالمجتمع الذي يحتفي برسول الرحمة لا ينبغي أن تصبح القسوة فيه أمرًا عاديًا.
ومن يتحدث عن الأمانة لا ينبغي أن يرى الخداع شطارة.
ومن يطالب بالعدل لنفسه عليه أن يقبله حين يكون في مصلحة غيره.
ومن يعلن محبته للنبي صل الله عليه وسلم، عليه أن يسأل نفسه هل يشعر من حولي بشيء من هذه المحبة في طريقة تعاملي معهم؟
لسنا مطالبين بأن نصبح بلا أخطاء فهذه ليست طبيعة البشر لكننا مطالبون بأن نحاول وأن نراجع أنفسنا وأن نملك شجاعة التغيير حين نكتشف فينا ما يحتاج إلى تغيير.
قد لا نستطيع إصلاح العالم كله لكن يمكننا أن نصلح طريقة حديثنا مع شخص واحد
قد لا نستطيع إنهاء كل الخلافات لكن يمكننا أن نبدأ بخلاف واحد.
وقد لا نستطيع أن نخفف أوجاع الجميع لكن يمكننا على الأقل ألا نكون وجعًا إضافيًا في حياة أحد.
وحين يأتي المولد النبوي الشريف لنفرح ونحتفل بما اعتدنا عليه ولتعلُ أصوات الصلاة والسلام على النبي صل الله عليه وسلم ولتبقَ مظاهر البهجة جزءًا جميلًا من ذاكرتنا لكن دعونا نضيف إلى كل ذلك شيئًا لا ينتهي بانتهاء المناسبة
قرارًا صغيرًا، لكنه حقيقي
أن نكون أرحم.
أصدق.
أكثر عدلًا.
أقل قسوة.
أن نراجع كلمة قبل أن نقولها وحكمًا قبل أن نصدره وغضبًا قبل أن نلقيه على من لا ذنب له.
فربما لا يكون أجمل ما نفعله في المولد أن نسأل كيف احتفلنا؟
بل أن نسأل سؤالًا أكثر صدقًا ماذا تغيّر فينا؟
فالذكرى التي تمر بنا ولا تترك أثرًا تظل مجرد ذكرى أما حين تتحول المحبة إلى خُلُق والخُلُق إلى سلوك والسلوك إلى أثر طيب في حياة الآخرين عندها لا يعود المولد يومًا في التقويم ننتظره كل عام ثم ينتهي
يصبح بداية
بداية لأن نكون أفضل مما كنا
وبداية لأن يخرج من محبتنا للنبي صل الله عليه وسلم شيء يراه الناس في أخلاقنا قبل أن يسمعوه في كلماتنا
وعندها فقط ربما نفهم المعنى الأجمل للاحتفال أن نُحيي الذكرى في قلوبنا ثم نتركها تمشي معنا إلى الحياة.








