طب وصحة
أخر الأخبار

النينيو وأزمة جوع عالمية. بقلم. رقيه فريد

النينيو.. عندما يتحول دفء المحيط إلى أزمة جوع عالمية

بقلم: رقية فريد

لا تأتي الكوارث دائمًا على هيئة زلازل أو أعاصير، فهناك كوارث تبدأ بصمت، بعيدًا عن أعين البشر، في أعماق المحيطات

ثم تمتد آثارها لتصل إلى حقول القمح، وموائد الطعام، وملايين الأسر حول العالم. ومن أبرز هذه الظواهر المناخية ما يعرف بـ”النينيو“، التي تعود اليوم لتثير مخاوف العلماء والمنظمات الإنسانية، بعد تحذيرات من أنها قد تدفع نحو 49 مليون شخص إضافي إلى دائرة الجوع الحاد خلال الفترة المقبلة.

النينيو ليست عاصفة، ولا إعصارًا، بل هي ظاهرة مناخية طبيعية تحدث نتيجة ارتفاع غير اعتيادي في درجة حرارة المياه السطحية للمحيط الهادئ الاستوائي، وهو ما يؤدي إلى اضطراب حركة الرياح والتيارات الهوائية، فتتغير أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم. وبينما تغرق بعض الدول في أمطار وفيضانات مدمرة، تعاني دول أخرى من موجات جفاف قاسية وحرارة غير مسبوقة.النينيو

ورغم أن الظاهرة تنشأ في المحيط الهادئ، فإن تأثيرها يتجاوز آلاف الكيلومترات ليصل إلى قارات بأكملها، فتتضرر الزراعة، وتنخفض إنتاجية المحاصيل، وتجف مصادر المياه، وتزداد حرائق الغابات، وتتراجع الثروة السمكية نتيجة ارتفاع حرارة المياه.

وتكمن الخطورة الحقيقية في أن الزراعة هي أول المتضررين من النينيو. فعندما يتأخر سقوط الأمطار أو تنعدم تمامًا، تتلف المحاصيل ويقل إنتاج الغذاء، بينما تؤدي الفيضانات في أماكن أخرى إلى تدمير الأراضي الزراعية. ومع انخفاض الإنتاج ترتفع الأسعار، ويصبح الغذاء أكثر صعوبة بالنسبة للفقراء، لتتحول أزمة المناخ إلى أزمة إنسانية.

وقد حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن اشتداد ظاهرة النينيو قد يؤدي إلى زيادة عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد بنحو 49 مليون شخص إضافي، خاصة في مناطق من إفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث تتداخل آثار التغيرات المناخية مع الفقر والصراعات ونقص الموارد.

ولعل ما يزيد المشهد تعقيدًا أن العالم يواجه بالفعل تحديات متراكمة، من تغير المناخ إلى النزاعات المسلحة واضطراب سلاسل الإمداد، وهو ما يجعل أي اضطراب مناخي واسع النطاق أكثر خطورة من أي وقت مضى.

أما بالنسبة لمصر، فإن تأثير النينيو يظل في الغالب غير مباشر، لكنه قد يظهر في صورة ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة موجات الحر، وبعض التقلبات المناخية، إلى جانب تأثيرات اقتصادية ناجمة عن ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا إذا تراجعت المحاصيل في الدول المصدرة.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية فحسب، بل أصبح قضية تتعلق بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي والإنساني. فالعالم اليوم مترابط أكثر من أي وقت مضى، وما يحدث في محيط بعيد قد ينعكس على رغيف الخبز في دولة أخرى.

إن ظاهرة النينيو تذكرنا بأن الطبيعة ليست مجرد خلفية لحياتنا، بل شريك أساسي فيها. وكلما ازداد اختلال التوازن البيئي، اتسعت دائرة المتضررين. لذلك فإن الاستثمار في الزراعة المستدامة، وإدارة الموارد المائية، والإنذار المبكر، لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية ملايين البشر من أزمة قد تبدأ بارتفاع درجة حرارة البحر، وتنتهي بموائد خاوية في بيوت الفقراء.

زر الذهاب إلى الأعلى