بداية حديثي. من رسائل عزيزتي (….) أحمد سعيد “نيجور”
بداية حديثي. من رسائل عزيزتي (….)
بقلم: أحمد سعيد “نيجور”
عزيزتي (….)
ربما لا أحب بداية حديثي معكِ بالتحية؛ لم أحب يومًا معكِ القوالب الجاهزة، بل صنعنا قوالبنا الخاصة، ورغم كل شيءٍ كنا نجد في كل مرة القارب الذي يُقلّنا.
أكتب لكِ الآن، والوحدة تطرد هواء الغرفة؛ فتصبح أنفاسي مختنقة، لكنني كعادتي أضع قطرات الأنف وأكتب.
سرّني رغبتكِ في الكتابة، ليس انتصارًا للأدب، ولكن انتصارًا لنفسٍ أُحب أن تضع أقدامها خارج الباب. أعلم أن الشارع ضجيجٌ وقسوة، ولكن هل كانت الجدران حماية؟ أم أن الضجيج والوجع وصلا إلينا بالداخل؟
حينما أكتب إليكِ، في حقيقة الأمر أكتب لنفسي وسنواتها الماضية. كلما انتابتني حمى الذاكرة، أجدكِ تبتسمين، أسمع أحاديثنا وضحكاتنا. اشتقت لصوتكِ الفَرِح، اشتقت لتلك الشفافية التي كانت بيننا. تعلمين! في كل مرة نتحدث أتعجب، وكأنكِ لم تبتعدي خطوة واحدة، وكأن الشاي الذي نشربه لم يبرد أبدًا.
لدي رغبة في إكمال كل الأعمال الكتابية التي لم أتمّها. كل شخوص القصص تزاحمني في كل مكان، أقتلهم بالكتابة، وفي حقيقة الأمر أخلّدهم في الأوراق.
الأسابيع الماضية كانت قاسية؛ هاجمني الحزن والألم. ربما أقول لنفسي: بلا سببٍ، لكن الحياة لا تسير هكذا، فكل ما حدث في السابق سببٌ. حينما أبدأ الرحلة في الداخل، أجد الجدران باردة، والمتاهة النفسية عصيّة الحل. أفتقدكِ كثيرًا في هذه الحالة، وكأنني اعتدتُ تواجدكِ في نوباتي الحزينة. وعلى كل حالٍ، أتعافى قليلًا هذه الأيام، أشعر أن مزاجي أفضل، ونفسيتي أهدأ. أتمنى لكِ أفضل من ذلك، وأدعو الله أن ينجيكِ من الكرب والحزن، وأن يخلق لكِ شمسًا خاصة لا تحرق، بل تنير وتدفئ.
أنا بخير، أفضل من كل الأوقات السابقة، لكنني ما زلت في التيه أتخبط. أنتظر يدًا تشدني، وفي قرارة نفسي أدرك أن اليد لا بد أن تكون يدي. لا أؤمن بالمخلّصين الخارجيين؛ لذا أصنع في كل يومٍ ساعدًا، ينصهر آخر اليوم، لكنني لا أملّ وأُكمل النسج.
أتمنى أن تعثري على يدكِ المنقذة؛ فأنا على يقينٍ أنها موجودة وتنتظر الصنع.
اكتبي لي، أحب أن أسمعكِ.
أحمد سعيد “نيجور”




