مقالات

«بسملة».. حين يُطرد الأمان من البيت قبل الأبناء

«بسملة».. حين يُطرد الأمان من البيت قبل الأبناء

«بسملة».. حين يُطرد الأمان من البيت قبل الأبناء

بقلم: محمود سعيد برغش

 

لم يكن اسم “بسملة” مجرد فتاة ضمن مئات الآلاف من طلاب الثانوية العامة هذا العام، بل تحوّل إلى رمز جديد لمعاناة صامتة، كُشف عنها صراخ فتاة في مقتبل العمر، تُطرد من بيتها بعد أن جاهدت لتنجح، لتجد نفسها في الشارع، بلا سند، ولا مأوى، ولا حضن يسند الألم.

 

ظهرت بسملة في فيديو مؤلم وهي تُعلن أنها تعيش مع جدها بعد طلاق والديها، وأنها تتعرض للضرب وسوء المعاملة من والدها وجدها، فقط لأنها تحب والدتها التي خلعها والدها منذ عام. وقالت باكية: «حسبي الله ونعم الوكيل.. ضيعوا مستقبلي».

 

بسملة، التي يفترض أن تكون الآن تحتفل بنهاية مشوار شاق، وجدت نفسها تحت خط الأمان، مطرودةً لأن “مجموعها مش عاجبهم”، وكأن حب الأسرة مشروط بدرجات، وكأن الحياة تُقاس بعدد الأصفار في المجموع، لا عدد النبضات في القلب.

 

التفكك الأسري: القاتل الصامت

 

ما جرى مع بسملة يفتح بابًا لمآسي مسكوت عنها. التفكك الأسري لم يعد ظاهرة نادرة، بل صار واقعًا يوميًا يعاني منه آلاف الأبناء الذين يتحوّلون إلى ضحايا دون أن يرتكبوا ذنبًا، سوى أنهم وُلدوا في بيت بلا اتفاق، ونشأوا بين أبوين قرر كلٌّ منهما أن يحب نفسه أكثر.

 

والأخطر أن البعض يرى الأبناء غنيمة حرب بعد الطلاق: من يحوزهم، من يؤذي الآخر عبرهم، من يثبت سلطته باستخدامهم. ويتحوّل البيت الذي يجب أن يكون حاضنًا، إلى ساحة معركة تُزرع فيها الكراهية وتنبت فيها القسوة.

 

من يحمي بسملة؟

 

الواقعة، إن صحت، تمثل جريمة أخلاقية واجتماعية قبل أن تكون قانونية. فتاة في عمر المراهقة، تُطرد من المنزل، وتُحرَم من التعليم، وتُجرّد من الأمان.. من يحميها؟

أين دور المجلس القومي للطفولة والأمومة؟ أين وزارة التضامن الاجتماعي؟ وأين المجتمع الذي يُفترض أن يثور لأجل كرامة فتاة تُهان لا لشيء إلا لأنها لم تُحقق حلم غيرها؟

 

هذه ليست قصة شخصية، بل صرخة مدوية يجب أن تُسمع جيدًا. فبسملة اليوم على الرصيف، وقد تكون غيرها غدًا. والرصيف ليس مكانًا للتربية، ولا الشارع مدرسة للحياة.

 

رسالة إلى كل أب وأم

 

ليس كل بيت بيتًا، وليس كل والد والدًا. هناك من أنجبوا فقط، وهناك من ربّوا، وآخرون قتلوا أبناءهم نفسيًا وهم أحياء.

اعلموا أنكم حين تُفرّطون في طفلكم – بالصراخ، بالإهمال، بالضرب، بالحرمان – أنتم لا تُربّونه بل تكسّرونه من الداخل، وتدفعونه نحو المجهول.

 

 

 

 

قصة بسملة ليست مأساة فردية، بل مرآة مكسورة لمجتمع يُهمل أضعف حلقاته.

بسملة اليوم ليست بحاجة لمساعدات فقط، بل لعدالة تعيد لها إنسانيتها، ولضمير مجتمعي يؤمن أن الأبوة لا تعني السلطة، بل الأمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى