مقالات

بهجت العبيدي يقرأ طرح المفكر العربي الكبير الأستاذ علي الشرفاء : بين ثبات الرسالة وخطر اختراع الأديان

بهجت العبيدي يقرأ طرح المفكر العربي الكبير الأستاذ علي الشرفاء : بين ثبات الرسالة وخطر اختراع الأديان

بهجت العبيدي يقرأ طرح المفكر العربي الكبير الأستاذ علي الشرفاء : بين ثبات الرسالة وخطر اختراع الأديان

 

حين يُعاد طرح المسلّمات الكبرى بلغةٍ كاشفة، لا يكون الهدف تكرار المعروف، بل فضح ما تراكم حوله من غبار الالتباس. وهذا ما يفعله طرح مفكرنا العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي حين يعيد توجيه البوصلة نحو حقيقة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: أن الدين عند الله واحد، وأن تسميته لم تكن يوما محل اجتهاد بشري، بل وحيٌ إلهي حاسم لا يقبل المساومة ولا إعادة الصياغة وفق أهواء العصور.

 

من هنا تبدو المفارقة – التي أشار إليها في مقاله الهام: الدين الجديد – صارخة حد الألم: فإبراهيم عليه السلام، الذي يُنسب إليه ما يُسمّى زورا “الدين الإبراهيمي”، هو ذاته الذي سمّى أتباع التوحيد “مسلمين”. فكيف يُعقل أن يُعاد تقديم ما هو ثابت بوصفه جديدا؟ وكيف يُنسب إلى نبيٍّ توحيدي خالص مشروعٌ – الدين الإبراهيمي – يحمل في طياته بذور التمييع والخلط؟ إنها ليست مجرد مفارقة فكرية، بل انزلاق خطير في فهم جوهر الرسالة.

ولأن التاريخ لا يرحم السذّج، فقد أحسن أستاذنا الفاضل الأستاذ الشرفاء الحمادي الربط بين الماضي والحاضر، حين أشار – في هذا المقال التحذيري الهام – إلى محاولات سابقة لتفتيت الدين عبر سيلٍ من الروايات والتأويلات التي مزّقت وحدة الخطاب، وصنعت أديانا داخل الدين، ومذاهب تتصارع حتى سالت الدماء باسمها. إن ما نراه اليوم ليس انقطاعا عن ذلك المسار، بل امتداد له بأدوات أكثر نعومة وخطاب أكثر براعة، لكنه يحمل ذات الغاية: تفكيك الأصل، وإعادة تركيبه بما يخدم مصالح عابرة لا علاقة لها بالحق.

وفي خضم هذا الضباب، يظل القرآن – كما يعتمده دوما أستاذنا الشرفاء الحمادي – هو النور الذي لا يُطفأ. ليس لأنه نص مقدس فحسب، بل لأنه معيار يُقاس به كل انحراف، ومرجع يُرد إليه كل خلاف. هنا لا مجال للاجتهاد العبثي، ولا مكان لمحاولات “تحديث” الدين بإفراغه من مضمونه، بل عودة صافية إلى خطابٍ إلهيٍّ لم يزل – وسيظل أبد الدهر – يحتفظ بقدرته على الهداية متى أُحسن فهمه.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط اختراع تسميات جديدة، بل ما يصاحبها من ترويج لانفلات أخلاقي يُقدَّم باعتباره تحررا، بينما هو في جوهره سقوط في فوضى الغرائز. فحين تُفكك القيم، وتُعاد صياغة الإنسان باعتباره كائنا بلا ضوابط، فإن النتيجة الحتمية ليست الحرية كما يزعمون ، بل فقدان المعنى، وانهيار البنية التي تحفظ للمجتمع تماسكه. وهنا تتضح دقة تحذير مفكرنا العربي الكبير: فالمسألة ليست خلافا فكريا بقدر ما هي مشروع لإعادة تشكيل الإنسان ذاته.

ولذلك جاء تحذيره من “الدين الجديد” ليس بوصفه رفضا للتجديد بمعناه الإيجابي، بل رفضا للتزييف الذي يتخفى في ثوب التجديد. فالدين لا يُخترع، ولا يُعاد تسويقه، ولا يُجزأ وفق رغبات البشر. إن الدين، كما جاء، كامل في أصوله، واضح في مقاصده، وما على الإنسان إلا أن يتلقى الخطاب الإلهي في القرآن – كما يطالب الأستاذ الشرفاء الحمادي – بعقلٍ واعٍ وقلبٍ صادق.

إن ما طرحه أستاذنا الشرفاء الحمادي لا يقف عند حدود النقد، بل يفتح بابا للعودة إلى الجذور، إلى ذلك النبع الصافي الذي لم يتلوث بعدُ بتراكمات البشر. وهو طرحٌ لا يكتفي بوصف الخطر، بل يشير إلى الطريق: وعيٌ يحصّن، وأخلاقٌ تحمي، ومرجعيةٌ لا تتبدل.

وفي زمن تتعدد فيه الأصوات وتتشابك فيه الخطابات، يبقى الصوت الصادق هو ذاك الذي يعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، لا ذاك الذي يزين له التيه. ومن هنا، فإن معركة الوعي اليوم ليست بين قديم وجديد، بل بين حقٍ ثابت وباطلٍ متجدد في صوره، قديم في جوهره.

وهنا تكمن مسؤولية كل صاحب فكر: ألا يكتفي برفض الزيف، بل أن يكشفه، وألا يكتفي بالتحذير، بل يدلّ على الطريق. وهذا ما فعله بوضوحٍ أستاذنا علي الشرفاء الحمادي والذي بكل تأكيد يحسب له، حيث يضع القارئ أمام خيار لا يحتمل المراوغة: إما وعيٌ يُنقذ، أو غفلةٌ تُكلّف الكثير.

زر الذهاب إلى الأعلى