بين عجز الأب وإنهاك المعلم.. من يضع التعليم والتربية تحت المجهر؟
بقلم/ جمال القاضي
يُقال إن الطالب أمام معلمه مادة خام سهلة التشكيل، لكن المشكلة تكمن في غياب الوقت والظروف المناسبة لصياغتها. نرى اليوم انتقادات واسعة لسلوكيات الجيل الجديد وقلة انضباطهم، ولا يمكن لوم من يصفهم بذلك، ولكن يظل السؤال الأهم: من المسؤول الحقيقي عن هذا التراجع؟
هل هو الأب؟
الأب.. مطحونة أيامُه بين الديون وغلاء المعيشة
فهل نلوم الأب؟
إنه مقهور تحت وطأة غلاء المعيشة والسعي المتواصل وراء لقمة العيش. يخرج من بيته مع ساعات الصباح الأولى وأطفاله نيام، ويعود في ساعة متأخرة ليجدهم قد ناموا مجددًا. ولو كان أجر عمل واحد يكفي المتطلبات الأساسية من كهرباء ومياه وغاز ومأكل ومشرب، لاستطاع العودة لبيته في وقت مناسب ليؤدي دوره التربوي. لكن الواقع يفرضه أداء وظيفتين وثلاث، ومع ذلك تظل الفجوة كبيرة بين الدخل والمطلوب للعيش، فتتحول إلى ديون يحملها على كاهله، مكسور الهيبة أمام أبنائه وضعيف الموقف أمام زوجته.
أم هي الأم؟
الأم.. حنان فطري يصطدم بغياب الشريك
فهل نلوم الأم؟
الأم مهما كان وضعها ومسؤوليتها تبقى مصدر الحنان والدعم النفسي عندما يقسو الأب، والبلسم الذي يضمد الجراح. لكن ما دورها في ظل غياب الأب واختفائه الشبه تام عن ساحة الأسرة؟ إن كانت موظفة، ستسعى للحصول على عمل إضافي كزوجها لتحسين الدخل، وإن كانت ربة منزل، فستحاول القيام بدور الأب الغائب وتتقمص دور القسوة، لكنها لن تستطيع مخالفة طبيعتها التي خلقها الله عليها من الحنان وعدم القدرة على العقاب. والنتيجة هي تراجع سلطة الضبط داخل الأسرة، ليصبح الابن فريسة سهلة للشارع أو لرفقاء السوء، متأثرًا بسلوكياتهم الفاسدة، فيظهر بعدها بمظهر العدائي والمتمرد مع معلمه.
هل هو المعلم؟
المعلم.. إنهاك الطريق وحصار الأوراق
فهل نلوم المعلم اذن؟
ربما، ولكن أين هو هذا المعلم؟ إنه المعلم الذي يأتي صباحًا إلى مدرسته بعد سفر يستغرق من ٣ إلى ٤ ساعات، ينفق معظم رواتبه على الطريق معزيًا نفسه أنها وظيفة حكومية وربما يتحسن الحال غدًا وينتقل إلى مدرسة قريبة من قريته. معلم انتحر الأمل داخله مع كل خيبة أمل. يدخل فصله ورغبته الشديدة في أن يشرح الدروس لتلاميذه، لكن الوقت لا يسعفه؛ فالحصة تضيع بين حصر الغياب، وتصحيح الواجبات، ومتابعة الكتاب المدرسي، والتقييمات، ورصد الدرجات، وحساب المتوسطات، وتجميع الشهادات الشهري، وانتظار المتابع الحسابي ليعاقبه على خطأ سقط منه سهوًا.
ربما يكون المسؤول هو الطالب
الطالب.. ضحية منظومة غائبة
فهل نلوم هذا الطالب؟
كيف يلام وهو ضحية لكل هذه الظروف؟ الطالب مسؤول فقط لأنه يرتدي زيه المدرسي ويأتي جاهزًا لتلقي المعلومة من معلم منهك فرغت طاقته على الطريق، ويكاد يكتفي بإنهاء الأوراق المطلوبة. يتلقى مناهج لا يفهم هو ولا غيره محتواها ولا هدفها أو كيفية التقييم فيها، عبر أسئلة امتحانات لا تقيس أي قدرة حقيقية من ملكات الذكاء أو الاستيعاب، ولا تقيس مدى قدرته على اكتساب المهارات التي كان المفروض أن يتلقاها مع معلمه، لغياب التطبيق العملي والمرور عليها نظريًا فقط. فالطالب مسؤول فقط عن غياب العقاب المدرسي، حتى وإن كان عقابًا غير رادع لسلوكيات ملؤها العنف.
من نعاقب إذن؟
المشكلة ليست في طرف واحد، فمن نعاقب إذن؟
هل نعاقب أسرة انشغلت عن التربية بسبب الظروف؟
إم نعاقب معلماً فقد قدرته وطاقته في مشقة السفر؟
هل نعاقب أماً تعجز عن السيطرة لأنها نبع للحنان وليست مصدرًا للعقاب؟
أم نعاقب مجتمعًا ومؤسسة لم تحسن اختيار المنهج والأسلوب وطريقة التقييم؟
هل نعاقب ظروفًا اقتصادية أصبح الجميع معها متهمًا بالتقصير؟أم نعاقب ابنًا لم يخضع لتربية سليمة على سوء سلوكه؟
نعاقب من أم من؟
الحل يبدأ من التقييم والمراجعة
إننا بحاجة ماسة إلى دراسة عميقة تبحث في المناهج والسلوكيات، وبحاجة إلى معالجة وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة توزيع المعلمين وتسكينهم بالقرب من محل سكنهم، وإلى توعية أسرية تُعين على التربية الصحيحة، وتنقية البيئة من الشوائب التي تفسد الأخلاق.. حينها فقط، نستطيع أن نحدد من المسؤول لتعود التربية ويعود التعليم إلى طريقه الصحيح.








