تسونامي المساواة..بقلم / فاتن البقرى

تسونامي المساواة
بسبب وبآخر…. وبالتدريج الحثيث دخلت المرأة مجالي التعليم والعمل وأصبحت تتحرر شيئا فشيئا من قبضة الرجل وقبضة المجتمع وأصبحت تحاول جاهدة أن تثبت يوما بعد يوم انها الاجدر علما وعملا وثقافة …فتاقت نفسها لما هو أعلي وأفضل … تاقت نفسها الي حلم حياتها ومنتهي آمالها…لقد أضحت قاب قوسين او ادني …من تفسير حلمها الذي طالما ماداعب خيالها وسكن منامها ….ألا وهو حلم المساواة بالرجل…
فما عانته الأنثي من شدة الظلم والتجريح المجتمعي مجتمعا بشقيه رجال
ونساء والضغط الذكوري منفردا ..وكذلك صراعها الداخلي من رفضها لنظرة
الدونية واحساسها الدفين بقيمتها الحقيقية .سحبها كل ذلك بجزره ودواماته إلي قاع قاع المحيط الإنساني الغريق ليقذف بها وبأقصي سرعتة وقوته إلي الاتجاه المعاكس لتعاني من أخطر تسونامي عرفه التاريخ البشري في العصرالحديث…ألا وهو ” تسونامي المساواة ” فراحت مندفعه بكل مالديها من كبت وظلم تحطم ما بين جزره ومده كل مايقابلها … من الأخضر
واليابس…التقاليد الطيبة …العادات الجميلة…الانوثة…النقاء…الحياء….الامومة…الانتماء.
..رهافة الاحساس….رقة الطباع ….كل شيء….. .فما فرق تسونامي المساواة مابين الصح والخطأ…ولابين الفروض والنوافل …مافرق بين الواجبات والحقوق …ولا بين المهم والأهم …لقد ساوي بين كل شئ …ساوي بين ما لا يمكن مساواته…. ولا يصح مساواته …. ولا يجوز اصلا وضعه علي كفتي الميزان ….او علي قدم المساواة ….لقد حطمها وحطم معها كل ماهو فطري اصيل
ذلك انه ماكادت المرأة تشرئب لتبدأ أولي خطواتها إلي براح الحرية تحت راية المساواة حتي سقطت سقوطاً مدوياً ..في بئرها السحيق … ولكنها ما كانت حتي تستطيع الاعتراف بهذا السقوط.. ولا حتي التلميح له … كان عليها ان تكابر …وتواصل السقوط بمنتهي الأريحية …والتظاهر بالانتصار ..والتمادي في التباهي بانها الان افضل واسعد وانها نالت ماكانت تحلم به من نجاحات وانها حصلت علي حريتها و حققت كيانها وكسَّرت قيودها وانها تساوت بالرجل قلبا
وقالبا …كان يجب عليها ان تخدع نفسها قبل ان تخدع الاخرين …لانه لا سبيل للتراجع…فالتراجع بئر أعمق بكثير من بئر المساواة …التراجع الان اصبح بمثابة موت حقيقي ونهاية حتمية لكل امل في الحرية والاحساس بالكرامة وعزة النفس …التراجع يساوي الانتحار …
فالمساواة ….ما هي الا خدعة قد روجت لها كل الدنيا سواء بحسن نية أو بدونها … فأضافت لأعباء المرأة أعباءا جديدة …ووضعت قيودا علي قيودها …انها القيود التي باطنها فيها الرحمة و ظاهرها من قبلها العذاب …في ظاهرها المساواة و من باطنها مزيدا من المعاناة … …او لنقل في ظاهرها الحرية وفي باطنها الأسر العظيم ..لقد اصبحت المرأة اسيرة للفكرة ذاتها….فكرة المساواة…أصبحت تلهث وراء تحقيقها … بغض النظر عن مدي الفائدة التي تعود عليها وعلى اطفالها وعلي اسرتها ككل .
فما كانت المساواة إلا تحمل مزيدا من اعباء الرجل واضافتها إلي اعبائها
الفطرية كأم وزوجة …راحت تدفع ثمن تلك الحرية المزيفة جهدا وعناءا ومالا . …خدعها الطعم فما بصرت المصيدة التي سقطت في شباكها …غرها الملمس الحريري لكلمة المساواة … فراحت تتمرغ فيه مستمتعة بنعومة كاذبة وهي دون أن تدري تلف خيوطا من الوهم حول نفسها بكل اتقان لتنسج شرنقتها الجديدة سجنا اكبر واغلظ مما كانت عليه … لقد انبهرت بالفكرة …فسحرتها …وسلبت عقلها
فأصبحت كائن اخر … كائن بلا هوية …فلا هو بالمرأة ولا هو بالرجل ..أصبحت جنسا ثالثا …حتي وان كانت الهيئة هيئة أنثى….لكن عقلها كوكتيل أن جاز التعبير …ما بين الرجل والمرأة…الذكر والانثي …وما بين الرفض والقبول…. الفطرة والتربص …أصبحت تعتنق ملة جديدة …ألا وهي ملة الانتقام…وضراوة التحيز ….هيمنت عليها فكرة تقمص شخصية الرجل جسديا وفكريا…فراحت كالببغاء تحاول بكل ما أوتيت من قوة تقليده …وأصرت علي أن تلعب أدواره في مسرحية الحياة ….لتصبح كوبي منه ..صورة باهته من الأصل لكنها صورة لبقايا امراة
انها تريد الانطلاق والتحرر من قبضة الرجل التعسفية…انها تريد التحرر ماديا قبل اي شئ فبالمال وبقدرتها علي إيجاد دخل مادي خاص بها والانفاق علي ذاتها ستستطيع الحصول علي الاستقلال وقبل الاستقلال ستستطيع الحصول
علي كرامتها التي دهسها المجتمع الذكوري ودهستها مرارة الحاجة الي المال
نعم المال ..انه الساحر …لقد اصبحت تدرك تماما قيمة هذا الساحرالعظيم… فبلمسة واحدة من عصاه ستختل الموازين….و تتبدل المفاهيم….وستستباح معظم المحظورات…. بلمسة واحدة من عصاه … ستتخدر الرجولة في دماء كثير من الرجال …. حيث سنجد الرجل بنفسه هو من سيفتح زنزانتها … ويفك اسرها ويدفعها دفعا للخروج …. ولسوف تتبدل العادات والتقاليد …. ربما تحت وطأة الحاجة او طمعا في زيادة الدخل الاسري رغبة في الحصول علي مستوي افضل للمعيشة.. فلمسة واحدة من عصا هذا الساحر … ستجعلها تتكلم وتعاند وتتخذ قرارات مضادة لرغبات الرجل ولكنها ستكون علي يقين ان قراراتها ستؤخذ بعين الاعتبار…وانها سيصبح لها حق الرفض لما لا يروق لها … وسيصبح لها القدرة علي الاعتراض …. و اذا وصل الامر حتي للتمرد والعصيان وتحطيم القمقم في اي لحظة …. وستخرج منه باقل الخسائر…فالساحر سيجعلها تستطيع العيش بدون الزوج حياة كريمة …. لقد أخرجها الساحر من
قمقمها ..نعم لكنه ودونما ان تدري جعلها تصطدم بغريزة الامومة وجها لوجه تلك الغريزة التي مازالت تلح عليها … و تجتاح كيانها والتي اصبحت تمثل لها اكبر عقبة في طريق تحررها علي الاطلاق … فهي تريد الخروج للعمل …. ولكن متطلبات بيت الزوجية تعكر صفو حياتها …فمن سيلعب هذا الدور في الأسرة…من سيحضر الطعام ويربي الاولاد ويراقب نموهم الفكري ويحفظهم من شياطين الإنس والجن … و يتولي مسئولية المنزل …..تلك المهام التي لم يقدسها الرجل ولا المجتمع….و التي نُظر لها فيما مضي علي أنها مهام سطحية تؤديها اي خادمة ….فانتقلت دونية النظرة إلي مفهوم المرأة فراحت تقنع نفسها هي الاخري قبل أن تقنع من حولها بأنها أمور لا تستحق بقائها في المنزل…لقد أصبح خروجها من منزلها يعادل حريتها…. يعادل خلاصها من سجن الدونية ..ذلك السجن الذي ألقاها فيه الرجل … والمجتمع تحت مسميات الامومة …. والكيان الاسري …. ورعاية الأطفال..لقد اصبحت تبغض تلك المسميات. .لأنها تمثل لها قضبان سجنها …وأصبحت حريتها التي تمثل آدميتها أغلي عندها من غريزة الامومة ….. و الطفولة …. والحياة الأسرية…..فالمجتمع المادي ماعاد يقدس الامومة ولا يعي مفهوم التضحية الانثوية من اجل تربية الاطفال لكنه يفهم فقط بل ويقدس المستوي المادي ويتعاطي بسخاء كلمة المراة العاملة والمراة المنتجة
…اصبحت المرأة الام …الام فقط بلا مال عبء اسري وعلامة من علامات التخلف والرجعية واصبحت مهنة ” ست البيت ” عار ودليل علي التخلف .والرجعية ..والانتماء الي العصور الجاهلية …
والآن…بعد الغوص في بحر المساواة…اصبح لدينا مشهدا مختلفا تماما…لقد تحول الأمر بين المرأة و الرجل الي حرب ضروس..طحنت اول ماطحنت المرأة نفسها وبنفس القدر طحنت الاطفال …ثم جاءت العواقب الوخيمة علي الرجل
لترتد وبلا رحمة علي الأسرة بأكملها ثم علي المجتمع ككل…والذي هو نواة الدولة … فكيف كانت المساواة نقمة وليست نعمة ..؟ الا تستحق المرأة المساواة بالرجل؟
ألم تصعد بها المساواة سلم الإنسانية؟
ألم تعتلي بها اعلي المناصب …؟ فهي الوزيرة والطبيبة
نعم …حققت لها المساواة كل هذا وأكثر
ولكن ….بنظرة متأنية ومحايدة تماما….
سنجد ان المرأة الآن أصبحت تقف وحيدة بين أمرين كل منهما أَمَرُّ من الاخر …فإما التمادي في حرية مزيفة واستقلال هش باسم المساواة…… أو الاعتراف بالفشل والرجوع مرة أخرى لانكسارات الماضي بذله وسجنه واهاناته….وكيف تعود أدراجها وهي من حققت قسطا كبيرا من الحرية والنجاحات والاستقلال …وأصبحت و الرجل وجها لوجه …نعم هذا صحيح …. ولكنها تدرك تماما كم هي منهارة داخليا …. ومستهلكة …كم أصبحت تدور في ساقية الحياة …لتسقط آخر اليوم متهالكة القوي علي فراشها …فلا جهد لها لرعاية طفل ولا لإحتواء زوج ولا لممارسة انوثة…لقد تحولت إلي آلة تخضع لروتين يومي وجدول زمني بلا روح …بلا عواطف …بلا انسانيات …فلا تكوينها الجسدي بقوة الرجل ليحتمل هذا العناء …ولا أصبحت انوثتها تصمد لهذه المشقة اليومية …فتحولت لجنس ثالث … لا هو بالذكر و لا بالانثي …هو ذكر متأنث أو أنثى متذكرة …. لقد ضاعت الانوثة تحت مساحيق المكياج اليومية … والملابس المستعارة كديكور ضروري …. وقناع يتناسب والعمل ..و سرعان ماينهار بمجرد العودة للمنزل و ضاعت الامومة …أصبحت تيك اوي …اصبحت أمومة تائهة
تخضع لعمليات الرتق و التجميل المستمرة بين أيادي الخادمات ودور الحضانات ومحلات الاطعمة الجاهزة …




