صدى مصرمقالاتمنوعات

جهاد علوان: تطوير إدارة الحضانات.. إستثمار في جودة الطفولة وبناء الإنسان

 

جهاد علوان: تطوير إدارة الحضانات..

استثمار في جودة الطفولة وبناء الإنسان

 

متابعة / محمد غزال

أكدت الخبيرة التربوية جهاد علوان، أن مؤسسات الطفولة المبكرة لم تعد مجرد أماكن تستقبل الأطفال خلال ساعات النهار وتقدم لهم خدمات الرعاية الأساسية، وإنما أصبحت مؤسسات تربوية واجتماعية متكاملة، تتطلب منظومة متطورة من الإدارة والجودة والتأهيل المهني والرعاية النفسية والتربوية، إلى جانب توظيف التكنولوجيا وتحقيق الاستدامة.

وأوضحت جهاد علوان في تصريح لـها أن الارتقاء بجودة الحضانات يبدأ من إعادة النظر في مفهوم إدارتها وتشغيلها، والانتقال من النموذج التقليدي القائم على تقديم الرعاية اليومية إلى نموذج مؤسسي يضع الطفل في قلب العملية، ويجمع بين الأمان والرعاية والتربية والتعلم والتواصل مع الأسرة، وفق معايير واضحة وممارسات مهنية قابلة للقياس والتطوير.

_ملتقى مهني لتطوير إدارة وتشغيل الحضانات_

وفي هذا الإطار، يأتي ملتقى المهارات المتكاملة لإدارة وتشغيل الحضانات، المقرر عقده يوم الخميس 8 أكتوبر 2026 بقاعة نادي المعلمين بمدينة سمنود، ليطرح رؤية مهنية تستهدف تطوير مهارات العاملين في مؤسسات الطفولة المبكرة، من خلال الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، والتعامل مع التحديات الفعلية التي تواجه إدارات الحضانات وفرق العمل بصورة يومية.

ويستهدف الملتقى تعزيز مفهوم الإدارة المتكاملة للحضانة، باعتبارها مؤسسة لها رسالة تربوية وتنموية، وليس مجرد مكان للرعاية، مع التركيز على تطوير مهارات الإدارة والقيادة والجودة والسلامة والصحة النفسية والتعلم باللعب وإدارة فرق العمل والتواصل مع الأسرة والتحول الرقمي والاستدامة.

_الحضانة مؤسسة تربوية وليست مجرد مكان للرعاية_

وأشارت إلى أن السنوات الأولى من عمر الطفل تمثل مرحلة مهمة في بناء شخصيته وقدراته الاجتماعية واللغوية والعاطفية والمعرفية، وهو ما يجعل البيئة التي يعيش فيها الطفل خلال هذه المرحلة عنصرًا أساسيًا في دعمه ونموه.

وأكدت على أن مسؤولية إدارة الحضانة تتجاوز تنظيم الجداول ومتابعة العاملين، لتشمل وضع سياسات واضحة، وإدارة الموارد، ومتابعة الأداء، وتوفير بيئة آمنة، والتعامل مع أولياء الأمور، وتحديد احتياجات التطوير، وضمان تطبيق إجراءات الجودة والسلامة.

ومن ثم، فإن الاستثمار في تطوير مدير الحضانة والمشرفات والمربيات والعاملين يمثل استثمارًا مباشرًا في جودة الخدمة المقدمة للطفل.

_الإدارة الحديثة تحتاج إلى مهارات جديدة_

وأكدت على أن الخبرة العملية تظل عنصرًا مهمًا، لكنها لم تعد كافية وحدها لمواجهة متطلبات الإدارة الحديثة، في ظل تعدد المسؤوليات وتنوع التحديات.

وتشمل المهارات المطلوبة التخطيط وإدارة الوقت والموارد، وبناء فرق العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، وحل المشكلات، وقياس الأداء، والتواصل مع الأسرة، والاستفادة من الأدوات التكنولوجية والرقمية.

كما أن القيادة داخل الحضانة لم تعد تقتصر على إصدار التعليمات ومتابعة التنفيذ، وإنما أصبحت مرتبطة ببناء فريق عمل يمتلك الدافعية، ويعمل وفق رؤية واضحة، ويتحمل مسؤولياته تجاه الطفل والأسرة والمؤسسة.

_الجودة تبدأ من التفاصيل اليومية_

وشددت على أن جودة الحضانة لا تقاس بالمظهر العام أو الشعارات، وإنما بمجموعة من الممارسات والتفاصيل اليومية التي تؤثر بصورة مباشرة في تجربة الطفل.

وتشمل هذه الممارسات سلامة المكان، والنظافة، وتنظيم الأنشطة، وطريقة التعامل مع الأطفال، وآليات الاستجابة للحالات الطارئة، ومتابعة الجوانب الصحية والنفسية، وكفاءة العاملين، ووضوح الإجراءات.

وأكدت على أن الجودة الحقيقية يجب أن تتحول إلى ثقافة مؤسسية مستمرة تقوم على التقييم والمراجعة والتطوير، وليس إلى إجراءات مؤقتة يتم تفعيلها فقط استعدادًا للتقييم أو الزيارة.

_الصحة النفسية للطفل أولوية أساسية_

وأبرزت أهمية الاهتمام بالصحة النفسية للطفل داخل الحضانة، موضحة أن الرعاية المتكاملة لا تقتصر على التغذية والنظافة والأمان الجسدي، وإنما تشمل كذلك توفير بيئة يشعر فيها الطفل بالقبول والاستقرار والاحترام، ويستطيع التعبير عن مشاعره بصورة آمنة.

كما أكدت على أهمية تدريب العاملين على فهم السلوكيات المختلفة للأطفال، والتمييز بين السلوكيات الطبيعية المرتبطة بمراحل النمو وبين الحالات التي قد تستدعي تدخلًا تربويًا أو متخصصًا.

وتعد العلاقة الإيجابية بين الطفل والمربية من الركائز الأساسية للبيئة الآمنة، لأن شعور الطفل بالثقة والأمان يساعده على التفاعل والتعلم واكتساب المهارات.

_التعلم باللعب جزء أساسي من بناء شخصية الطفل_

وأكدت على أن اللعب ليس مجرد وسيلة للترفيه أو شغل وقت الطفل، وإنما يمثل أداة تربوية مهمة يمكن من خلالها تنمية اللغة والمهارات الحركية والتفكير والخيال والتواصل والتعاون وحل المشكلات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير المهارات التربوية والنمائية للعاملين، بحيث تكون الأنشطة المقدمة للأطفال مرتبطة بأهداف واضحة ومناسبة لأعمارهم وقدراتهم واحتياجاتهم.

وفي الوقت نفسه، شددت على أهمية تحقيق التوازن بين التعليم والرعاية واللعب، بحيث لا تتحول الحضانة إلى مدرسة مصغرة تفرض على الطفل أعباء تعليمية غير مناسبة، ولا تقتصر في المقابل على الرعاية دون توفير فرص حقيقية للنمو والتعلم.

_العنصر البشري أساس نجاح المؤسسة_

وأكدت على أن جودة المبنى والتجهيزات لا يمكن أن تعوض ضعف العنصر البشري، مشيرة إلى أن المربية والمشرفة والمديرة يمثلن الواجهة الأساسية التي يتعامل معها الطفل والأسرة بصورة مباشرة.

ومن ثم، فإن تطوير العاملين يجب أن يقوم على التدريب المستمر، وتوضيح المسؤوليات، وتحسين التواصل الداخلي، وتقييم الأداء، ومعالجة المشكلات، وتشجيع المبادرة والعمل الجماعي.

كما ينبغي أن يصبح التطوير المهني عملية مستمرة تواكب المستجدات في مجالات التربية وعلم نفس الطفل وإدارة المؤسسات والسلامة والتكنولوجيا.

_الأسرة شريك أساسي في العملية التربوية_

وشددت على أن الحضانة لا يمكن أن تعمل بمعزل عن الأسرة، لأن الطفل يعيش ويتفاعل داخل بيئتين متداخلتين هما الأسرة والحضانة.

ولذلك فإن بناء قنوات تواصل فعالة مع أولياء الأمور يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار العملية التربوية، على أن تقوم العلاقة على الاحترام والوضوح والشفافية، مع تبادل المعلومات المتعلقة باحتياجات الطفل وتطوره وسلوكه.

وأكدت على أن الشراكة بين الأسرة والحضانة لا تعني تداخل الاختصاصات، وإنما تعني وضوح أدوار كل طرف، والعمل المشترك من أجل مصلحة الطفل.

_التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يحتاجان إلى وعي_

وفي ظل التوسع المتزايد في استخدام التكنولوجيا، أكدت على أن مؤسسات الطفولة المبكرة يمكنها الاستفادة من الأدوات الرقمية في تنظيم البيانات، وإدارة التواصل، وتوثيق الأنشطة، وإعداد الجداول، وتسهيل الإجراءات الإدارية.

كما يمكن الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بعض المهام التنظيمية والتعليمية، بشرط الالتزام بالضوابط المهنية والأخلاقية، والحفاظ على خصوصية الأطفال وبياناتهم، وعدم السماح للتكنولوجيا بأن تحل محل الدور الإنساني والتربوي للعاملين.

وأكدت على أن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني استخدام التكنولوجيا لمجرد استخدامها، وإنما توظيفها عندما تضيف قيمة حقيقية وتساعد على رفع الكفاءة وتحسين التنظيم وجودة الأداء.

_الإدارة المالية والتسويق جزء من استدامة المؤسسة_

وأوضحت أن الإدارة المالية والتسويق يمثلان جزءًا من منظومة الاستدامة المؤسسية، فالإدارة المالية الرشيدة تساعد الحضانة على توفير الموارد اللازمة للتشغيل والتطوير، بينما يساهم التسويق المهني في تعريف الأسر بالخدمات والرؤية والقيمة التي تقدمها المؤسسة.

وشددت على ضرورة أن يقوم التسويق على المصداقية والشفافية، وألا يتحول إلى وعود مبالغ فيها أو استغلال لمخاوف الأسر، مؤكدة أن سمعة الحضانة لا تصنعها الإعلانات وحدها، وإنما تصنعها جودة التجربة التي يعيشها الطفل والأسرة.

_التدريب العملي طريق تحويل المعرفة إلى ممارسة_

ومن بين المحاور التي يركز عليها ملتقى المهارات المتكاملة لإدارة وتشغيل الحضانات الانتقال من التدريب النظري إلى التدريب العملي القائم على مواقف واقعية من بيئة العمل.

ويتيح هذا النوع من التدريب التعامل مع أسئلة وتحديات حقيقية، من بينها كيفية إدارة الخلافات داخل فريق العمل، والتعامل مع المواقف الطارئة، وفهم سلوك الطفل، والتعامل مع شكاوى أولياء الأمور، وإعداد خطط التطوير، وتحويل معايير الجودة من وثائق وإجراءات إلى ممارسات يومية.

وتؤكد أن قيمة التدريب لا تقاس فقط بحجم المعلومات التي يحصل عليها المشاركون، وإنما بقدرتهم على تحويل تلك المعلومات إلى مهارات وممارسات قابلة للتطبيق.

_الحضانة الذكية والمستدامة .. استعداد للمستقبل_

وأكدت على أن المؤسسة الناجحة لا تكتفي بإدارة حاضرها، وإنما تعمل على بناء قدرتها على مواجهة المستقبل.

ويشمل مفهوم الحضانة الذكية والمستدامة تطوير الأدوات الإدارية، وترشيد استخدام الموارد، ورفع كفاءة التشغيل، والاستثمار في العنصر البشري، والاستفادة الواعية من التكنولوجيا، ومراجعة أساليب العمل بصورة مستمرة.

كما أن الاستدامة لا تقتصر على الجانب البيئي، وإنما تشمل الاستدامة الإدارية والمالية والمهنية، بما يساعد المؤسسة على الحفاظ على مستوى مستقر من الجودة والعمل على تطويره بصورة مستمرة.

_أهمية الملتقيات المهنية المتخصصة_

وتبرز أهمية الملتقيات المتخصصة في توفير مساحة تجمع بين المعرفة والخبرة والتفاعل المباشر، وتتيح للعاملين في قطاع الطفولة المبكرة تبادل التجارب والاطلاع على الاتجاهات الحديثة وبناء شبكات مهنية تساعد على تطوير الأداء.

كما أن إتاحة المشاركة المجانية، إلى جانب الدورات المجانية والمدعمة المرتبطة بإدارة وتشغيل وتطوير الحضانات، يمكن أن توسع دائرة الاستفادة وتمنح عددًا أكبر من العاملين فرصة للوصول إلى المعرفة والتدريب المهني.

وأكدت على أن المعيار الحقيقي لنجاح أي فعالية تدريبية لا يتمثل في عدد الجلسات أو ساعات التدريب، وإنما في حجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه المشاركون في مؤسساتهم بعد انتهاء الفعالية.

_ما بعد الملتقى .. تحويل المعرفة إلى خطة عمل_

وشددت على ضرورة ألا تنتهي عملية التطوير بانتهاء الملتقى، وإنما تبدأ مرحلة جديدة تعتمد على تحويل المعرفة المكتسبة إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ.

ويمكن أن تبدأ هذه الخطط من مراجعة إجراءات السلامة، أو تطوير أساليب التواصل مع الأسرة، أو إعادة تنظيم فريق العمل، أو تحسين الأنشطة، أو تنظيم الملفات والبيانات، أو رفع كفاءة العاملين في مهارة محددة.

ويظل الأهم هو وجود أولويات واضحة وإجراءات محددة ومؤشرات تساعد الإدارة على قياس ما تم إنجازه وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من التطوير.

_بناء الإنسان يبدأ من السنوات الأولى_

وأختتمت بالتأكيد على أن تطوير مؤسسات الطفولة المبكرة ليس قضية إدارية فقط، وإنما يرتبط بقضية أوسع تتعلق ببناء الإنسان منذ سنواته الأولى.

فجودة الحضانة تعني توفير بيئة آمنة، وإدارة واعية، وعاملين مؤهلين، ورعاية نفسية وتربوية سليمة، وتعلم قائم على اللعب، وشراكة حقيقية مع الأسرة، ونظم واضحة للجودة والسلامة، واستخدامًا مسؤولًا للتكنولوجيا، ورؤية قادرة على الاستدامة والتطوير.

ومن هذا المنطلق، يمثل ملتقى المهارات المتكاملة لإدارة وتشغيل الحضانات مساحة مهنية لفتح نقاش أوسع حول مستقبل مؤسسات الطفولة المبكرة، وكيفية الانتقال بها من الإدارة التقليدية إلى نموذج مؤسسي أكثر تنظيمًا ووعيًا باحتياجات الطفل والأسرة والمجتمع.

فالحضانة الناجحة ليست مجرد مبنى يستقبل الأطفال، ولا مجرد فريق ينفذ مهام يومية، وإنما مؤسسة تصنع بيئة للطفولة، وكلما ارتفع مستوى الوعي والمهارة لدى من يديرها ويعمل فيها، زادت قدرتها على توفير بيئة أكثر أمانًا وجودة، وأكثر قدرة على دعم نمو الطفل والاستعداد لمتطلبات المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى