حسن النوايا وأنين العتاب:
كيف تحمي نفسك من صدمات الثقة المفرطة؟
بقلم: جمال القاضي
يتعرض كل منا في محطات حياته المختلفة لصدمات تتفاوت حدتها وتأثيرها من شخص لآخر. هذه الاختلافات تحكمها منظومة معقدة من العوامل؛ كالنشأة والتربية، وغلبة حسن النوايا، والثقة المفرطة في المحيطين، فضلاً عن الانشغال الدائم بتفاصيل الحياة ومتاعبها. غير أن أسوأ الصدمات وأشدها إيلاماً هي التي تولد من رحم حسن النوايا والاندماج الدائم في صخب الحياة.
حسن النوايا: متى يتحول إلى فخ؟
حسن النوايا في جوهره هو أن تحكم على الآخرين من منظور تربيتك وأخلاقك، دون أن تترك مساحة لتتخيل أن شخصاً اعتدت رؤيته في صورة سوية قد يتبدل سلوكه يوماً أو يخالف المعهود عنه. هذا الاطمئنان الدائم يدفعك إلى منح هذا الشخص مساحة أوسع للحركة والاقتراب، متجاوزاً الحدود الآمنة.
والمساحة التي تمنحها لشخص قد يكون غير مستحق لها تشبه تماماً الثوب الفضفاض الذي لا يتناسب قط مع الحجم الحقيقي للجسم؛ فهو في نظرك وحدك يبدو مناسباً تماماً لوجوده المستمر في محيطك الشخصي، بينما يراه الآخرون مجرد تباين غير متناسق يكشفه الزمن.
جذور الخيانة: حين يغيب الحذر
لكن من أين يبدأ خذلان الثقة؟ الحق يُقال إن عدم توقعك للخيانة هو نفسه مفتاحها وبوابتها الخلفية. وتاريخ الأمم والشعوب يشهد بأن سقوط الكيانات يعود أحياناً لقصور في إدارة الحكام والمسؤولين، كما أن صدمات الأفراد في المحيطين تنشأ نتيجة غياب الحرص وتجاوز حدود الحيطة، وتشتت الأسر غالباً ما يبدأ حين تُمنح مساحات واسعة من الحرية غير المحسوبة.
خذ مثلاً مروض الأسود الذي يثق في طاعة الحيوان المفترس لمهاراته التدريبية، فيأتي يوم يسير فيه أمامه ناسياً ضرورة مراعاة مسافات الأمان، لتكون النوايا الطيبة سبباً في هجوم مفاجئ لا تُحمد عقباه. وكذلك من يلبي طلب غريب يستفسر عن طريق فيستجيب ببراءة لقوله: اتبعني أدلك، دون أن يتفقد نواياه أو يحسب حساباً لمخاطر استدراجه بعيداً عن أعين الناس.
خطوات عملية لكشف الزيف وتقييم العلاقات
إذن، ما العمل؟ أول خطوة حاسمة هي التوقف الدوري للمراجعة. هذا التوقف يعني إعادة حساباتك مع كل علاقاتك وصداقاتك على فترات زمنية محددة. ويمكن تحقيق ذلك عبر عدة أساليب واقعية، ومنها:
١- اصطناع المواقف الاختبارية: لقياس مدى تعاون الطرف الآخر واستعداده للوقوف بجانبك في المواقف الصعبة.
٢- اختبار الأزمات: كطلب مساعدة مالية أو معنوية لمراقبة رد الفعل الحقيقي في أوقات الضيق.
٣- الملاحظة السلوكية الدقيقة: لمراقبة تصرفات الشخص عندما ينفرد بأمور تخصك أو تتعلق بمجالك الخاص.
حين تفعل ذلك، ستتجلى لك التصرفات الحقيقية التي يكشف عنها الجوهر الحقيقي للشخصيات؛ فتعرف من يستحق استكمال المسيرة معك ومن يرتدي قناعاً مزيفاً.
فأين يكمن القصور والعيب؟
إن لم يتوافق توقعك مع حقيقة المواقف، ستظل الصدمات تفرض عليك عتاباً دائماً لنفسك. والحقيقة أحياناً أن العيب ليس بالضرورة في الشخص الآخر، بل في إصرارك على تغليب حسن النوايا متجاهلاً مؤشرات واضحة كنت تراها بعينك لكنك آثرت غض الطرف عنها، رغبةً منك في بقاء الشخص بجانبك ولو بسلوك مزيف وغير حقيقي.








