حقوق الإنسان في زمن الدجل…
ازدواجية المعايير وتزييف الوعي
بقلم: حسين عبيد
في خطاب غربي فضفاض عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، نقف طويلًا أمام مشهد أكثر غرابة من أن يمر دون سؤال: كيف يمكن أن تتحول حقوق الإنسان من قيمة عالمية يفترض أنها لا تتجزأ، إلى خطاب انتقائي تحكمه أحيانًا السياسة والمصالح والتحالفات؟
مشهد يثير الدهشة؛ مجتمعات وحكومات تبدي اهتمامًا بالغًا بحماية الحيوان وحقوقه، وتستنكر أي اعتداء عليه، بينما تقف أمام مشاهد قتل المدنيين وتشريد الأطفال ودمار المدن في مناطق أخرى من العالم، وكأن الإنسان نفسه أصبح متفاوت القيمة بحسب جنسيته وموقعه الجغرافي وموقف حكومته السياسي.
وغزة كانت واحدة من أكثر المشاهد التي كشفت هذا التناقض أمام العالم.
لسنا هنا أمام خلاف سياسي عابر، وإنما أمام سؤال يتعلق بجوهر الفكرة التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان الحديثة: هل الإنسان هو الإنسان في كل مكان؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلا ينبغي أن تختلف قيمة حياة إنسان لأنه فلسطيني أو إسرائيلي أو عربي أو غربي. ولا ينبغي أن تختلف قيمة الطفل بحسب المكان الذي ولد فيه، أو بحسب الموقف السياسي للحكومة التي يعيش تحت سلطتها.
حقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون قائمة أسعار سياسية؛ ترتفع قيمتها عندما تخدم مصالحنا، وتنخفض عندما تتعارض مع مصالح حلفائنا.
الحرية عندما تصبح أداة
على مدى عقود، استخدمت بعض الحكومات الغربية خطاب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في انتقاد أنظمة وحكومات حول العالم، وأصبح هذا الخطاب جزءًا من أدوات السياسة الخارجية.
ومن حق أي دولة أن تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل إن ذلك أمر محمود عندما يكون مبدئيًا وثابتًا.
لكن السؤال الحقيقي يبدأ عندما تصبح المبادئ انتقائية.
لماذا تتحول انتهاكات حقوق الإنسان إلى قضية دولية كبرى في مكان، بينما لا تحظى الانتهاكات ذاتها بالقدر نفسه من الاهتمام في مكان آخر؟
وهل يمكن أن تكون العدالة عادلة إذا كان تطبيقها مرتبطًا بهوية الضحية أو بموقع الدولة السياسي؟
هنا تظهر مشكلة ازدواجية المعايير.
فحقوق الإنسان إذا كانت حقوقًا فعلًا، فلا تحتاج إلى تحالف سياسي يحميها، ولا إلى دولة قوية تتبناها، ولا إلى خصم سياسي حتى تظهر قيمتها.
غزة… اختبار الخطاب
غزة لم تكن مجرد حرب أو أزمة سياسية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب العالمي حول حقوق الإنسان.
فالمنظمات والهيئات الدولية وثقت خلال السنوات الماضية حجمًا هائلًا من الخسائر والمعاناة الإنسانية، وتحدثت عن ضرورة حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، والتحقيق في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عنها.
لكن السؤال الذي سيبقى طويلًا أمام الضمير العالمي هو: هل كانت الاستجابة الدولية على مستوى حجم المأساة الإنسانية؟
هنا لا يصبح النقاش متعلقًا فقط بمن هو على حق سياسيًا، وإنما بمن يملك الشجاعة للدفاع عن الإنسان عندما يكون الدفاع عنه مكلفًا.
فالعدالة لا ينبغي أن تكون رهينة ميزان القوة.
تزييف الوعي
الأمر الأكثر خطورة من ازدواجية المعايير هو تزييف الوعي.
نحن نعيش في عصر لم تعد فيه المعركة على الأرض فقط، وإنما أصبحت أيضًا معركة على الصورة والرواية والمعلومة.
من يملك الإعلام يستطيع أحيانًا أن يحدد للناس ما الذي يرونه، وما الذي لا يرونه، ومن هو الضحية، ومن هو الجاني، وما الذي يجب أن يتذكره العالم وما الذي ينبغي أن ينساه.
وهنا تأتي مسؤولية الإعلام.
فالإعلام لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتجميل الحقيقة أو تشويهها، وإنما يجب أن يكون عينًا على الحدث، وصوتًا للإنسان، ومساحة لكشف الوقائع بعيدًا عن الانتقائية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وأن يصبح التعاطف نفسه خاضعًا للتوجيه السياسي.
العدالة لا تحمل جواز سفر
قد نختلف في السياسة، وقد نختلف في الدين والفكر والمواقف، لكن هناك أشياء ينبغي ألا نختلف عليها: قتل المدنيين مأساة، وتشريد الأطفال مأساة، وتجويع الأبرياء مأساة، وإهانة كرامة الإنسان جريمة أخلاقية قبل أن تكون مسألة سياسية.
هذه ليست قيمًا شرقية ولا غربية.
إنها قيم إنسانية.
ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا يكون بالدفاع عن إنسان ضد إنسان، وإنما بالدفاع عن الإنسان كإنسان.
لقد كشفت غزة الكثير من التناقضات، ليس فقط في السياسة، وإنما في الخطاب الذي طالما تحدث عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نريد حقوق إنسان حقيقية، أم حقوق إنسان على مقاس المصالح؟
فإذا كانت الحرية حقًا، فهي لا تتجزأ.
وإذا كانت العدالة مبدأً، فهي لا تعرف الحلفاء والخصوم.
وإذا كانت كرامة الإنسان مقدسة، فلا ينبغي أن تحمل جواز سفر.
فالإنسان إنسان… سواء كان في غزة أو في واشنطن أو في أي بقعة من هذا العالم.








