صدى مصرمقالاتمنوعات

حين أصبح التعليم الخاص قادرًا على شراء المقعد… هل أصبح قادرًا على شراء المستقبل؟

حين أصبح التعليم الخاص قادرًا على شراء المقعد…

هل أصبح قادرًا على شراء المستقبل؟

 

بقلم : ممدوح عكاشة

في كل موسم لتنسيق الجامعات، تتكرر نفس الحكاية أمام آلاف الأسر المصرية: طالب حصل على مجموع مرتفع، لكنه أخطأ في نصف درجة أو درجة واحدة، وطالب آخر كان أقل منه في المجموع، لكن قدرة أسرته المادية سمحت له بالالتحاق بكلية خاصة، بينما اضطر الأول إلى البحث عن كلية حكومية تتناسب مع مجموعه وظروف أسرته.

وهنا يظهر السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه:

هل أصبح مستقبل الإنسان في مصر مرتبطًا فقط بقدرته على دفع المصروفات؟

أنا لا أتحدث ضد الجامعات الخاصة، ولا ضد أن يبحث ولي الأمر عن أفضل تعليم لابنه أو ابنته. فالجامعات الخاصة أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة التعليم العالي، وهناك جامعات وبرامج معتمدة تقدم تعليمًا جيدًا. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة للحصول على تعليم أفضل إلى وسيلة لتعويض فارق المجموع.

فقد نجد طالبًا حصل على مجموع يؤهله بصعوبة أو لا يؤهله للطب أو الهندسة في التعليم الحكومي، لكنه يستطيع الالتحاق بهما في جامعة خاصة وفق قواعد القبول المعمول بها، بينما طالب آخر ربما كان يفصله نصف في المائة فقط عن الحد المطلوب، لكنه لا يملك القدرة المالية، فيتجه إلى كلية أخرى أو إلى التمريض أو أحد المسارات التعليمية المتاحة أمامه.

وتشير بيانات القبول المنشورة إلى وجود حدود دنيا مختلفة للكليات في الجامعات الخاصة، وهو ما يجعل القدرة المالية عاملًا مؤثرًا في بعض اختيارات الأسر التعليمية.

المؤلم ليس دخول الطالب الخاص… وإنما نظرة المجتمع

المشكلة الحقيقية ليست أن ابن الأسرة القادرة دخل طبًا أو هندسة.

المشكلة عندما يبدأ المجتمع في التعامل مع خريج الكلية الخاصة باعتباره أفضل تلقائيًا من خريج التعليم الحكومي أو التمريض أو المعهد الفني.

وهذا خطأ كبير.

فقد يتخرج طالب من كلية خاصة لأنه استطاع أن يدفع المصروفات، ثم يتخرج بجواره طالب آخر دخل كلية حكومية بمجموع أعلى، أو دخل مجال التمريض لأنه لم يستطع تحمل تكلفة التعليم الخاص.

وبعد سنوات، قد نجد الاثنين في مؤسسة واحدة، ويكون الطالب الذي بدأ حياته الدراسية بإمكانات مالية أقل أكثر خبرة وكفاءة، بل وربما يصبح مسؤولًا عن عمل زميله الذي كان قادرًا على دخول كلية خاصة.

فالشهادة قد تفتح الباب، لكنها لا تضمن لصاحبها أن يكون الأفضل داخل هذا الباب.

والحياة العملية مليئة بالأمثلة التي تثبت أن الإنسان قد يبدأ من وظيفة بسيطة، ثم يصعد بالعلم والخبرة والاجتهاد حتى يصبح مديرًا أو رئيسًا على من بدأ حياته في منصب أعلى منه.

لا تجعلوا الفقر عقوبة على التفوق

هناك أسر تستطيع دفع مئات الآلاف سنويًا لتعليم أبنائها، وهناك أسر أخرى بالكاد تستطيع توفير احتياجات البيت الأساسية.

فهل نعاقب ابن الأسرة محدودة الدخل لأنه لم يولد في أسرة قادرة؟

طالب حصل على مجموع مرتفع، لكنه نقص نصف في المائة، وأسرته لا تستطيع تحمل مصروفات الطب أو الهندسة الخاصة، فيضطر إلى اختيار كلية أخرى.

وفي المقابل، طالب أقل منه في المجموع يستطيع، بفضل قدرة أسرته المالية، أن يلتحق بتخصص كان حلم الطالب الأول.

هنا لا بد أن نسأل:

هل نصف الدرجة يستطيع أن يحدد قيمة الإنسان؟

بالتأكيد لا.

والأهم أن التعليم نفسه يجب أن يكون قادرًا على اكتشاف الموهبة والاجتهاد، لا أن يجعل القدرة المالية هي العامل الحاسم في رسم مستقبل الإنسان.

والتمريض ليس اختيارًا من الدرجة الثانية

ومن الظلم أيضًا أن ننظر إلى التمريض وكأنه الملجأ الذي يذهب إليه الطالب عندما يفشل في دخول الطب.

التمريض مهنة علمية وإنسانية شديدة الأهمية، ولخريجيه مجالات عمل متنوعة في المستشفيات والقطاع الصحي والتعليم والبحث العلمي، وهناك حاجة فعلية إلى الكوادر التمريضية المؤهلة.

لكن المشكلة في ثقافة المجتمع التي تقول للطالب:

“لم تدخل طب؟ ادخل تمريض.”

وكأن التمريض أقل قيمة!

وهذا ظلم لمهنة عظيمة ولآلاف العاملين بها.

الأصح أن نقول للطالب:

اختر المجال الذي تستطيع أن تبدع فيه، وليس المجال الذي يجعل الناس تنظر إليك باعتبارك أفضل منهم.

الجامعة لا تصنع الإنسان وحدها

قد يدخل شاب كلية الطب أو الهندسة في جامعة خاصة، لكنه لا يذاكر ولا يطور نفسه.

وقد يدخل آخر كلية حكومية أو تمريض أو معهدًا فنيًا، ويكون من أكثر الطلاب اجتهادًا، ويستمر في التعلم والدورات والدراسات العليا والخبرة العملية.

وبعد عشر سنوات قد تتغير الصورة تمامًا.

الأول معه شهادة غالية… والثاني معه قيمة حقيقية.

وهنا يجب أن يفهم أولياء الأمور أن الإنفاق على تعليم الأبناء شيء عظيم، لكن الأهم من دفع المصروفات هو بناء شخصية الابن وعقله ومهاراته وقدرته على العمل.

نحن بحاجة إلى عدالة أكبر في فرص التعليم

ليس المطلوب إلغاء الجامعات الخاصة، وإنما المطلوب أن تظل هناك مساحة حقيقية أمام الطالب المتفوق، أيا كانت قدرته المالية.

نحتاج إلى مزيد من المنح للمتفوقين من الأسر غير القادرة، وأن تكون هناك سياسات تساعد الطالب الذي تفوق دراسيًا لكنه لا يستطيع تحمل تكلفة التعليم الخاص.

فليس من العدل أن نقول لأب:

“ابنك يستحق هذه الفرصة، لكنك لا تملك ثمنها.”

وفي النهاية، يجب أن نعيد تعريف النجاح.

ليس كل من دخل طبًا ناجحًا، وليس كل من دخل تمريضًا فاشلًا، وليس كل من درس الهندسة في جامعة خاصة أفضل من خريج الجامعة الحكومية.

النجاح الحقيقي يظهر عندما ينزل الإنسان إلى سوق العمل.

هناك لا أحد يسأل:

“كم دفعت أسرتك في الجامعة؟”

بل يسألون: ماذا تستطيع أن تفعل؟ ماذا تعرف؟ وما مقدار اجتهادك؟

وقد يأتي يوم يصبح فيه الطالب الذي لم تستطع أسرته دفع مصروفات كلية خاصة رئيسًا ومديرًا وصاحب قرار لمن كان بالأمس يظن أن المال وحده يضمن له التفوق.

فالمال يستطيع أن يشتري لك مقعدًا في الجامعة… لكنه لا يستطيع أن يشتري لك عقلًا متفوقًا، ولا خبرة، ولا احترام الناس، ولا نجاحًا يدوم.

وفي النهاية الأيام وحدها هي التي تكشف من اشترى الشهادة، ومن صنع نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى