حين أصبح الناصر محمد هو السلطان الحقيقي
بقلم / محمد مصطفى كامل
السلطان الذي عاد إلى العرش ثلاث مرات ، وفي الثالثة لم يعد العرش كما كان
هناك سلاطين يصلون إلى العرش لأنهم أقوياء.
وهناك سلاطين يصبحون أقوياء لأنهم وصلوا إلى العرش.
لكن الناصر محمد بن قلاوون كان شيئًا مختلفًا.
جلس على العرش طفلًا، فاكتشف أن التاج لا يكفي.
ثم خُلع، فعرف أن السلطان الذي لا يملك القوة الكافية لحماية سلطته قد يتحول إلى واجهة في يد من يملكون الجيش.
ثم عاد إلى العرش للمرة الثانية، فوجد نفسه محاصرًا بنفوذ رجلين من أقوى أمراء عصره ، سيف الدين سلار وركن الدين بيبرس الجاشنكير.
ثم خرج من القاهرة إلى الكرك.
وهناك، بعيدًا عن القصر، حدث التحول الحقيقي.
فالرجل الذي خرج من القاهرة سلطانًا ضعيفًا، لم يعد إليها بعد ذلك الرجل نفسه.
كان قد تعلم الدرس الأصعب:
الدولة المملوكية لا يحكمها من يجلس على العرش وحده، وإنما من يستطيع أن يمسك بمفاتيح القوة المحيطة بالعرش.
ومن هنا بدأت واحدة من أهم التجارب السياسية في تاريخ الدولة المملوكية.
لم يكن الناصر محمد يريد أن يكون سلطانًا آخر في قائمة السلاطين.
كان يريد أن يكون هو السلطان.
عرش لطفل
في سنة 1293م قُتل السلطان الأشرف خليل بن قلاوون.
وكان الأشرف قد أنهى الوجود الصليبي الرئيسي على الساحل الشامي بسقوط عكا سنة 1291م، لكن الدولة التي تركها وراءه لم تكن هادئة.
فالقاهرة كانت تعيش بين أمراء كبار.
رجال يملكون المماليك.
ومماليك يملكون السلاح.
وأمراء يملكون الإقطاعات.
وكل أمير كبير كان يعرف أن وراءه قوة يمكن أن تجعله شريكًا في صناعة القرار.
وسط هذه البيئة جلس محمد بن قلاوون على العرش.
كان في نحو التاسعة من عمره.
وهنا ظهرت الحقيقة الأولى:
السلطان كان طفلًا ، لكن الدولة لم تكن كذلك.
كان كبار الأمراء هم أصحاب النفوذ الحقيقي، وكان سيف الدين كتبغا المنصوري من أبرزهم.
وهكذا بدأ الناصر حياته السياسية وهو يتعلم أول دروس الحكم ،،
قد تمتلك العرش ولا تمتلك السلطة.
حين خُلع السلطان
لم يستمر العهد الأول طويلًا.
في سنة 1294م خُلع الناصر محمد، وتولى كتبغا السلطنة.
ثم لم يثبت كتبغا في الحكم طويلًا، حتى أطاح به الأمير لاجين سنة 1296م.
وكان المشهد يتكرر أمام الناصر:
سلطان يأتي.
أمير يسانده.
ثم يختلف معه.
ثم يُخلع السلطان.
ثم يبحث الأمراء عن سلطان آخر.
كان العرش موجودًا.
لكن صاحبه لم يكن بالضرورة صاحب القرار.
أما الناصر، فخرج من المشهد، لكنه لم يخرج من الحسابات السياسية.
كان يحمل اسم أبيه قلاوون.
وكان هذا الاسم يمنحه شيئًا بالغ الأهمية:
الشرعية القلاوونية.
وكان عليه أن ينتظر.
العودة الثانية ، والمغول على الأبواب
في سنة 1299م قُتل السلطان لاجين.
فعاد الناصر محمد إلى العرش للمرة الثانية.
لكن هذه العودة جاءت في أخطر الظروف.
فالمغول الإيلخانيون كانوا يتحركون نحو الشام.
وفي العام نفسه دخل غازان بلاد الشام، ووقعت معركة وادي الخزندار، التي انتهت بانسحاب القوات المملوكية ودخول المغول دمشق.
كان الخطر يأتي من الشرق.
لكن المشكلة لم تكن هناك فقط.
فداخل القاهرة كان السلطان لا يزال محاصرًا بنفوذ الأمراء.
كان سيف الدين سلار نائب السلطنة من أقوى رجال الدولة.
وكان بيبرس الجاشنكير من كبار الأمراء، وله نفوذ عسكري وسياسي واسع.
وهكذا وجد الناصر نفسه أمام معادلة قاسية:
جيش مغولي عند حدود الدولة، وأمراء أقوياء داخل القصر.
ثم جاء عام 1303م.
التقى الجيشان في مرج الصفر قرب دمشق.
وانتهت المعركة بانتصار المماليك وهزيمة الجيش الإيلخاني.
لكن الانتصار العسكري لم يحل المشكلة السياسية.
فالناصر اكتشف أن الدولة تستطيع أن تهزم عدوها على الحدود، بينما يظل السلطان نفسه عاجزًا عن امتلاك سلطته داخل العاصمة.
وكان هذا الدرس أخطر من المعركة نفسها.
الكرك ، المكان الذي تغير فيه الناصر
كان الناصر قد أصبح أكثر خبرة.
رأى كيف يُرفع السلطان.
ورأى كيف يُخلع.
وعرف أن الأمير الذي يحمي السلطان اليوم يمكن أن يصبح هو نفسه سبب سقوطه غدًا.
وبلغ الصراع ذروته سنة 1309م.
خرج الناصر من القاهرة واتجه إلى الكرك.
وبالنسبة إلى خصومه، بدا الأمر كأنه النهاية.
سلطان غادر عاصمته.
وعرش أصبح مفتوحًا.
ورجل آخر يستطيع أن يجلس مكانه.
لكن الناصر لم يكن قد خرج من اللعبة.
بل كان قد خرج من القاهرة ليعيد ترتيبها.
في الكرك، لم يعد يفكر كطفل ينتظر حماية الأمراء.
ولم يعد شابًا يقبل أن تكون سلطته رهينة لمراكز القوة المحيطة به.
كان يعرف أسماء الرجال.
ويعرف تحالفاتهم.
ويعرف خصوماتهم.
ويعرف من يستطيع أن يقف مع من.
والأهم أنه عرف شيئًا بالغ الخطورة:
أن خصومه يحتاجون إلى وجوده أكثر مما يحتاج هو إلى وجودهم.
بيبرس الجاشنكير ، السلطان الذي لم يدم
في القاهرة، تولى بيبرس الجاشنكير السلطنة.
وكان يبدو أن اللعبة انتهت.
لكن بيبرس اكتشف سريعًا أن الجلوس على العرش لا يمنح صاحبه بالضرورة القدرة على التحكم في الدولة.
فالأزمة التي أطاحت بالناصر لم تنتهِ.
وإنما انتقلت إلى السلطان الجديد.
كان حكم بيبرس قصيرًا، نحو عشرة أشهر وأربعة وعشرين يومًا.
وتفاقمت الأزمات السياسية والاقتصادية، بينما ظل اسم الناصر محمد حاضرًا في المشهد.
لم يكن الناصر في القاهرة.
لكن الأسرة القلاوونية كانت لا تزال تملك وزنًا سياسيًا.
وكان كثير من المماليك يعرفون أن الناصر هو صاحب السلطنة الذي أُخرج منها.
وبدأت الكفة تميل.
لم يعد السؤال هل يعود الناصر؟
بل أصبح متى يعود؟
وفي أوائل سنة 1310م تحرك الناصر من الكرك.
وفي الخامس من مارس سنة 1310م عاد إلى السلطنة.
لكن هذه المرة لم يدخل القاهرة ذلك الطفل الذي عرفه الأمراء من قبل.
دخلها رجل في الرابعة والعشرين من عمره تقريبًا.
رجل عرف الخلع.
وعرف المنفى.
وعرف كيف يعمل الأمراء.
وعرف أن السلطان الذي يسمح لمنافس قوي بأن يصبح أقوى منه لن يبقى سلطانًا طويلًا.
ومن هنا بدأ العهد الثالث.
العهد الذي سيغير شكل الدولة.
حين بدأ السلطان يصنع توازنات الأمراء
لم يبدأ الناصر عهده الثالث بتدمير نظام المماليك.
بل بدأ بإعادة ترتيب موازين القوة داخله.
وهذه نقطة مهمة.
فالدولة المملوكية لم تكن تستطيع الاستغناء عن الأمراء والمماليك.
فالجيش نفسه كان قائمًا عليهم.
لكن الناصر كان يريد شيئًا مختلفًا:
ألا يستطيع أمير واحد، أو مجموعة من الأمراء، أن تجعل السلطان مجرد واجهة.
ولهذا أعاد ترتيب المناصب.
وأعاد تنظيم مراكز النفوذ.
وأعاد النظر في الإقطاعات.
وقرّب رجالًا من مماليكه.
وأبعد رجالًا آخرين.
واستخدم المال والمناصب والسلطة لصناعة شبكة ولاء جديدة.
وكان بيبرس الجاشنكير أحد أهم الأسماء التي اصطدمت بهذا التحول.
وبعد عودة الناصر انتهى نفوذ بيبرس، وقُتل سنة 1310م.
أما سلار، الذي كان أحد أقوى رجال الدولة في العهد الثاني، فقد تراجع نفوذه، وانتهى به الأمر إلى الاعتقال، ثم مات في السجن.
وهكذا وصلت الرسالة إلى الجميع:
السلطان ليس منصبًا يتقاسمه الأمراء.
لم يكن الأمر انتقامًا بل إعادة بناء للسلطة
قد تبدو هذه الإجراءات في ظاهرها تصفية حسابات.
لكن خلفها مشروع سياسي أوسع.
كان الناصر يريد أن يمنع تكرار السنوات التي عاشها بنفسه.
في عهده الأول كان كتبغا أقوى منه.
وفي عهده الثاني أصبح سلار وبيبرس قادرين على التأثير في القرار أكثر مما يستطيع السلطان نفسه.
أما في عهده الثالث، فقد بدأ يبني نظامًا تكون فيه مراكز القوة متعددة، لكن لا يستطيع مركز واحد أن يبتلع السلطنة.
وهنا حدث التحول الحقيقي:
في الماضي كان الأمراء يصنعون السلطان.
أما الآن، فبدأ السلطان يصنع توازنات الأمراء.
ولم يكن ذلك يعني اختفاء قوة الأمراء.
بل يعني أن الناصر أصبح قادرًا على منع أي مركز منهم من الانفراد بالدولة.
وهذا هو الفارق بين سلطان يجلس على العرش،وسلطان يملك العرش.
السلاح لا يكفي فالمال هو القوة الثانية
لكن الناصر فهم أن السيطرة على الجيش وحدها لا تكفي.
فالجيش يحتاج إلى المال.
والمال يحتاج إلى أرض.
والأرض تحتاج إلى إدارة.
والإدارة تحتاج إلى نظام قادر على تحصيل الموارد وتنظيمها.
وهنا يصبح الإقطاع المملوكي مسألة سياسية قبل أن يكون مسألة اقتصادية.
فالإقطاع لم يكن ملكية خاصة بالمعنى الحديث، بل كان جزءًا من النظام المالي والعسكري الذي ارتبط بتمويل أصحاب المناصب والجيش.
ولهذا فإن القدرة على إعادة ترتيب الإقطاعات لم تكن مجرد إجراء مالي.
كانت إعادة ترتيب للقوة نفسها.
وكان الناصر أكثر اهتمامًا بإحكام سيطرة السلطنة على الموارد ومراقبة طرق تحصيلها، كما شهد عهده إجراءات مهمة في تنظيم الضرائب والإدارة المالية.
وهكذا لم يعد الناصر يحارب خصومه بالسيف وحده.
بل بدأ يستخدم سلاحًا أكثر هدوءًا:
الإدارة.
القاهرة عندما تحولت السلطة إلى عمران
لكن قصة الناصر محمد لا تنتهي عند القصر.
إذا أردنا أن نعرف حجم سلطته، فعلينا أن نخرج من القلعة وننظر إلى القاهرة.
هناك يظهر أثر آخر لعصره.
في عهده اتسعت القاهرة بصورة كبيرة، وتغيرت علاقتها بالقلعة والمناطق المحيطة بها.
وحُفر الخليج الناصري، وتطورت المناطق حوله، وامتدت أعمال البناء إلى أجزاء جديدة من المدينة.
وتشير دراسات تاريخ العمارة في القاهرة إلى أن المدينة توسعت بصورة كبيرة خلال عهد الناصر، وشهدت القلعة ومحيطها أعمالًا عمرانية واسعة.
لم تكن هذه مجرد أبنية متفرقة.
كانت القاهرة تتغير.
المساجد.
المدارس.
الخانات.
الحمامات.
الأسواق.
القصور.
الميادين.
والمنشآت التي تخدم حركة الناس والمياه والتجارة.
ومن أبرز آثاره مسجد السلطان الناصر محمد في قلعة الجبل، إلى جانب منشآت أخرى ارتبطت بعصره.
وهنا تظهر المفارقة:
الرجل الذي كان يعيد ترتيب السلطة داخل القصر كان يعيد تشكيل المدينة خارجه أيضًا.
السلطان الذي أراد أن يرى سلطته في الحجر
لم تكن العمارة عند المماليك مجرد زينة.
كان البناء إعلانًا عن السلطة.
المسجد يقول هنا سلطان.
المدرسة تقول هنا دولة.
المنشأة السلطانية تقول: هنا قدرة على الإنفاق والتنظيم.
والقلعة نفسها كانت صورة حجرية للسلطة.
وفي عهد الناصر محمد أُعيد بناء أجزاء مهمة من القلعة، ومنها الإيوان الكبير، وأُنشئت منشآت وقصور ومرافق متعددة.
كان الناصر يعرف أن السلطان لا يعيش في القصر وحده.
فالمدينة نفسها يجب أن ترى أثر السلطان في الماء والحجر والطريق والسوق.
وهكذا أصبحت القاهرة مرآة لمشروعه السياسي:
سلطة أقوى في المركز.
مدينة أكثر اتساعًا.
وإدارة أكثر حضورًا.
مصر… الدولة التي يعيش اقتصادها على النيل
لكن كل هذا العمران لم يكن ممكنًا من دون الاقتصاد.
ومصر كانت تملك أعظم مورد في حياتها الاقتصادية:
النيل.
الأرض الزراعية.
الزراعة.
الضرائب.
طرق التجارة.
الموانئ.
وموقع البلاد بين البحر المتوسط والبحر الأحمر.
وكانت الدولة المملوكية تقع في قلب شبكة تجارية تصل بين البحر الأحمر والحجاز واليمن والمحيط الهندي من ناحية، وبلاد الشام والبحر المتوسط من ناحية أخرى.
ولهذا لم تكن قوة القاهرة عسكرية فقط.
كانت اقتصادية وجغرافية أيضًا.
فالدولة التي تريد جيشًا قويًا تحتاج إلى خزينة قوية.
والخزينة تحتاج إلى أرض منتجة.
والأرض تحتاج إلى الماء.
والماء يحتاج إلى إدارة.
وهكذا كانت السياسة والاقتصاد والجغرافيا حلقات في سلسلة واحدة.
الناصر والمغول من صد الغزو إلى مراقبة التوازن
أما المغول، فلم يختفوا من المشهد.
لكن الخطر تغير.
بعد وفاة غازان سنة 1304م، ثم وفاة أولجايتو سنة 1316م، دخلت الدولة الإيلخانية مراحل جديدة من التحول والصراع.
وكان الناصر يتابع ما يحدث شرق الفرات.
فالمماليك لم يعودوا يتعاملون مع المغول باعتبارهم جيشًا قد يظهر فجأة عند أبواب دمشق.
بل أصبحوا ينظرون إلى ميزان القوى في المنطقة كلها.
كان الهدف ألا تسمح القاهرة بقيام قوة شرقية مستقرة قادرة على إعادة تجربة غازان.
وهكذا تحولت السياسة تدريجيًا:
من مجرد انتظار الغزو ،إلى مراقبة ميزان القوى.
ومن الدفاع عن الحدود،إلى محاولة التحكم في البيئة السياسية المحيطة بالدولة.
أكثر من ثلاثين عامًا… والدولة تحت يد رجل واحد
منذ عودته الثالثة سنة 1310م حتى وفاته سنة 1341م، حكم الناصر محمد أكثر من ثلاثة عقود متصلة.
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن أهمية الرجل لا تأتي من طول مدة حكمه فقط.
بل من أنه استطاع أن يجعل السلطنة، التي كانت قد اعتادت تغيير السلاطين بسرعة، أكثر استقرارًا في قمة السلطة خلال عهده الثالث.
عرف كيف يقرّب هذا ويبعد ذاك.
وكيف يستخدم المال والمنصب والإقطاع.
وكيف يمنع منافسًا واحدًا من احتكار القوة.
وبهذه الطريقة أصبح السلطان نفسه مركز التوازن.
لكن النجاح كان يحمل في داخله مشكلة.
فالسلطة لم تصبح أكثر مركزية من خلال المؤسسات وحدها.
بل أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على شخصية الناصر نفسه في إدارة مراكز القوة.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما أصبح الناصر أقوى، أصبح النظام أكثر اعتمادًا على الرجل الذي يمسك خيوطه.
القوة التي تحمل بذرة الخطر
لم يكن عصر الناصر محمد عصرًا مثاليًا.
فالقوة المركزية لا تعني أن المجتمع كان خاليًا من المشكلات.
الضرائب يمكن أن تثقل الناس.
والإقطاع يمكن أن يتحول إلى مصدر نفوذ.
والأمراء يظلون أصحاب قوة.
والاقتصاد يظل حساسًا للزراعة والنيل والأسعار.
وكانت الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السلطان على ضبط التوازنات.
وكان السؤال مختبئًا تحت سطح القوة:
ماذا يحدث عندما يموت الرجل الذي يعرف كيف يمسك كل هذه الخيوط؟
لم يكن أحد يستطيع أن يجيب.
لكن التاريخ كان يستعد للإجابة.
1341م عندما مات الرجل وبقي النظام
في سنة 1341م توفي الناصر محمد بن قلاوون.
وانتهى عهد الرجل الذي استطاع أن يجعل العرش مركزًا فعليًا للسلطة.
لكنه ترك وراءه دولة قوية.
وقاهرة واسعة.
وجهازًا عسكريًا وإداريًا ضخمًا.
لكنه ترك أيضًا أبناءً يتنافسون على السلطنة، وأمراء ما زالوا يملكون مفاتيح الجيش والمال.
وبعد موته تعاقب عدد من أبنائه على السلطنة، وعادت الصراعات على السلطة بصورة كشفت أن المشكلة التي حاول الناصر السيطرة عليها لم تختفِ.
عاد السؤال القديم:
من يحكم؟
السلطان؟
أم الأمير؟
لكن هذه المرة كانت الدولة أكبر.
والثروة أكبر.
والجيش أكثر تعقيدًا.
وكانت الإجابة ستأتي من عدو لا يستطيع أحد أن يفاوضه.
ولا يستطيع أحد أن يحاصره.
العدو الذي لا يملك جيشًا
بعد سنوات قليلة من وفاة الناصر محمد ظهر عدو مختلف تمامًا.
لم يحمل راية.
ولم يركب حصانًا.
ولم يحاصر قلعة.
جاء عبر طرق التجارة والموانئ والمدن.
وصل إلى الإسكندرية سنة 1347م، ثم انتشر في مصر والشام.
وفي سنة 1348م بلغ القاهرة، وبدأت الكارثة تتسع بصورة لم تعرفها البلاد منذ أجيال.
كان الطاعون.
مرضًا لا تستطيع السلطنة أن تأمره بالتراجع.
ولا تستطيع الجيوش أن تواجهه في ميدان.
ولا يستطيع السلطان أن يحاصره خلف الأسوار.
وهنا ستكتشف الدولة المملوكية أن القوة التي بناها الناصر محمد لم تكن كافية وحدها لمواجهة كارثة تضرب البشر، وتقطع طرق التجارة، وتضغط على الزراعة، وتعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد.
من وراء الستار ،،،
حين أصبح الناصر محمد هو السلطان الحقيقي، لم يكن انتصاره الحقيقي أنه جلس على العرش ثلاث مرات.
كان انتصاره السياسي أنه فهم اللعبة التي كادت تبتلعه.
جلس على العرش طفلًا ، فأمسك به الأمراء.
ثم عاد شابًا فوجد نفسه محاصرًا بالأمراء.
ثم خرج إلى الكرك وعاد منها رجلًا يعرف أن السلطان الذي لا يصنع توازنات القوة حوله لن يملك سلطانه طويلًا.
وفي عهده الثالث تغيرت المعادلة:
لم يعد الأمراء هم الذين يصنعون السلطان وحدهم.
بل أصبح السلطان قادرًا على صناعة توازنات الأمراء.
ازدهرت القاهرة.
واتسع عمرانها.
وتعززت الإدارة.
وأصبحت الدولة المملوكية في عهده واحدة من أقوى القوى السياسية في المشرق.
لكن الناصر مات.
وبقيت الدولة.
وبقي الأمراء.
وبقي النظام.
وهنا ظهر السؤال الذي كان مختبئًا خلف كل ذلك المجد:
هل كانت قوة الدولة في مؤسساتها، أم في الرجل الذي أمسك بخيوطها؟
لم يمض وقت طويل حتى بدأ التاريخ يجيب.
لكن هذه المرة لم يكن القادم سلطانًا جديدًا.
ولا جيشًا مغوليًا.
كان شيئًا لا يُرى.
شيئًا لا يعرف الفقير كيف يهرب منه، ولا الغني كيف يشتري نجاته.
مرضًا عبر البحر.
دخل المدن.
ثم نزل إلى القرى.
وحصد الناس بلا تمييز.
وفي المقال القادم سنغادر القلاع والقصور.
سنترك السلاطين والأمراء قليلًا.
وسندخل الأسواق والبيوت والقرى والمقابر.
سنرى القاهرة ودمشق وهما تواجهان واحدة من أعظم الكوارث الديموغرافية في تاريخ العالم الوسيط.
حين دخل الطاعون مصر ،
لم يكن أحد في القاهرة يعرف أن الدولة التي عجز المغول عن إسقاطها ستواجه هذه المرة عدوًا لا يمكن محاصرته بالسيوف.
التاريخ من وراء الستار ،
حيث لا يأتي السقوط دائمًا على ظهر حصان.








