حين تتبدل الأدوار وتضيع البوصلة

حين تتبدل الأدوار وتضيع البوصلة
بقلم : عماد نويجي
في لحظة مشحونة بالغضب والاتهامات يطفو سؤال منطقي على السطح ماذا كان منتظرا من مصر في مشهد لم تحسمه حتى الدول الأكثر قدرة وتسليحا في الخليج غضب يتصاعد وتوقعات تتضخم لكن الواقع يفرض نفسه بهدوء ثقيل فالدول التي تملك أحدث المقاتلات وأقوى الترسانات لم تختر أن تدخل المواجهة ولم تحرك سماءها بطائراتها أو صواريخها رغم امتلاكها كل الأدوات التي تجعلها في موقع الفعل لا الانتظار
المشهد لا ينقصه سلاح ولا موارد ولا تحالفات فالثروات النفطية الهائلة والقدرات العسكرية المتقدمة تضع هذه الدول في مصاف القوى القادرة على حماية مصالحها والدفاع عن أراضيها ومع ذلك بقي القرار حذرا وربما محسوبا بدقة وهذا حق سيادي لا جدال فيه لكن المفارقة تبدأ حين يتحول هذا الحذر إلى مطالبة طرف آخر بتحمل كلفة المواجهة
مصر التي خاضت عبر تاريخها حروبا مكلفة وتعلمت من أثمانها القاسية تدرك جيدا أن القرار العسكري ليس مجرد استجابة عاطفية أو تضامن لفظي بل حسابات معقدة تتعلق بالأمن القومي والاقتصاد والاستقرار الداخلي فلا يمكن لدولة أن تزج بأبنائها في معركة لا تمثل تهديدا وجوديا مباشرا لها مهما كانت الروابط التاريخية أو العاطفية فى ظل قيادة حاليه ولأول مرة تؤمن جيدا بأن الدم المصرى أغلى من أن يهدر دفاعا عن الغير بدافع العاطفة أو بثمن تحت الترابيزة كما فعلها أحدهم يوما
الأكثر تعقيدا في المشهد أن البيئة التي تشكلت في المنطقة لم تكن بعيدة عن اختيارات تلك الدول نفسها فقد فُتحت الأبواب لوجود عسكري أجنبي متنوع وتكاثرت القواعد والتحالفات وأصبحت المنطقة ساحة نفوذ دولي متعدد الأوجه وهو واقع لم تصنعه مصر ولم تفرضه بل نشأ نتيجة قرارات سيادية اتخذتها هذه الدول على مدار سنوات طويلة
وعلى مستوى أعمق فإن فكرة العمل العربي المشترك التي طُرحت منذ عقود لم تجد طريقها إلى التنفيذ الكامل لا في توحيد الجيوش ولا في بناء صناعات عسكرية مستقلة ولا حتى في تحقيق تكامل اقتصادي حقيقي رغم توفر الإمكانات والموارد لكن الخيارات اتجهت نحو الاعتماد على القوى الكبرى بحثا عن الحماية والضمانات وهو مسار له كلفته السياسية والاستراتيجية التي تظهر اليوم بوضوح
ما يحدث الآن ليس مجرد خلاف في المواقف بل انعكاس لمسار طويل من القرارات والتوجهات حين تختار الدول أن تدير أمنها عبر مظلات خارجية فإنها تفقد تدريجيا القدرة على فرض إيقاعها المستقل وعندما تبتعد عن بناء قوة جماعية حقيقية يصبح من الصعب مطالبة الآخرين بتحمل أعباء لم يشاركوا في صنع أسبابها
في النهاية لا يمكن اختزال العلاقات العربية في لحظة توتر أو تحميل طرف واحد مسؤولية مشهد معقد فالأخوة لا تعني التضحية غير المحسوبة ولا تعني أيضا تبادل الاتهامات بل تعني وضوح الرؤية واحترام حدود كل دولة وإدراك أن الأمن لا يُستعار بل يُبنى وأن القرارات التي تُتخذ اليوم سترسم ملامح الغد سواء أدركنا ذلك أم تجاهلناه





