حين تتحول الدراجات البخارية إلى فوضى في الشوارع
حين تتحول الدراجات البخارية إلى فوضى في الشوارع

حين تتحول الدراجات البخارية إلى فوضى في الشوارع
كتب أشرف ماهر ضلع
لم تعد مشكلة الدراجات البخارية – أو ما يُعرف شعبيًا بـ”الموتوسيكل” – مجرد وسيلة انتقال سريعة أو حل اقتصادي لتفادي الزحام، بل تحولت في كثير من شوارعنا إلى ظاهرة مقلقة تهدد سلامة المواطنين وتربك الإحساس بالأمن العام. فما بين السرعات الجنونية، والاستعراضات الخطرة، والقيادة بلا ضوابط، أصبح الطريق ساحة مفتوحة لممارسات تثير الخوف أكثر مما تقدم خدمة للنقل.
إن الشارع، بطبيعته، فضاء مشترك يجمع المارة والسائقين وأصحاب المحال والأطفال وكبار السن. لكنه في بعض اللحظات يتحول إلى مسرح لفوضى تقودها دراجات بخارية تنطلق كالسهم بين السيارات والناس، غير عابئة بإشارة مرور أو حق الطريق. تتعالى أصوات المحركات، وتندفع المركبات باندفاع متهور، حتى يبدو المشهد وكأن المدينة فقدت لحظة توازنها.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد السرعة، بل سوء الاستخدام. فالبعض يحوّل الطريق إلى ساحة استعراض، يقود الدراجة بعجلة واحدة، أو يتسابق مع آخرين في شوارع ضيقة مكتظة بالمارة، غير مدرك أن لحظة تهور قد تسلب حياة إنسان بريء أو تترك جرحًا لا يندمل في أسرة كاملة. إن هذه الممارسات لا تمثل شجاعة ولا مهارة، بل تعكس غياب الوعي بخطورة الطريق ومسؤولية استخدامه.
وقد لا يتوقف الأذى عند حدود الحوادث فقط؛ فالمشاهد المفزعة التي تصاحب هذه السلوكيات تترك أثرًا نفسيًا في المارة، خاصة الأطفال وكبار السن، الذين يجدون أنفسهم فجأة أمام مركبة مسرعة أو صوت محرك مدوٍ يقطع سكون الشارع. وهنا يتحول الطريق من مساحة للحياة اليومية إلى مصدر قلق دائم.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على دور الجهات المعنية وحدها، رغم أهمية الرقابة وتطبيق القانون بحزم على المخالفين. فالمسؤولية أيضًا مجتمعية وأخلاقية. تبدأ من الأسرة التي تغرس في أبنائها ثقافة احترام الطريق، وتمر بالمدرسة التي تعزز قيم السلامة والانضباط، وتنتهي بالمجتمع الذي يرفض أن يتحول الاستهتار إلى مشهد مألوف.
إن الدراجة البخارية في أصلها وسيلة نافعة، تسهم في تسهيل الحركة وتوفير الوقت والجهد، لكنها تصبح خطرًا حين تُنتزع من إطار المسؤولية. فالمشكلة ليست في الوسيلة ذاتها، بل في طريقة استخدامها. وبين الاستخدام الرشيد والاستهتار شعرة رفيعة تفصل بين وسيلة تخدم الناس، وأخرى قد تهدد حياتهم.
إن شوارعنا تستحق أن تكون آمنة، وأن يعود إليها هدوؤها الطبيعي. فالحياة على الطريق ليست سباقًا، بل مسؤولية مشتركة، وأي لحظة تهور قد تكلفنا ما هو أثمن من السرعة: سلامة الإنسان وطمأنينة المجتمع. ومن هنا يصبح احترام الطريق واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا، لأن الطريق حين يفقد نظامه يفقد معه جزءًا من أمن المدينة وروحها.





