مقالات

حين تختبرك الحياة بصمتها بقلم/ناني عادل

حين تختبرك الحياة بصمتها

بقلم/ناني عادل

تأتي لحظات في العمر لا تحمل ضجيجاً ولا صخباً ولا انهيارات كبيرة بل تأتي في هيئة صمت طويل يشبه الفراغ وتبدو فيها الأيام وكأنها تمشي على أطراف أصابعها دون أن تترك أي علامة واضحة تلك اللحظات التي نعتبرها عابرة هي في الحقيقة امتحان خفي ترسل به الحياة إشاراتها لتعرف مدى صلابتك ومدى قدرتك على الوقوف دون دعم ومدى قدرتك على بناء نفسك دون أن ينتبه أحد
في هذا الصمت يكتشف الإنسان حقيقة نفسه بعيداً عن ضجيج العلاقات وعن توقعات الآخرين وعن الأدوار التي يفرضها المجتمع يكتشف ما يبقيه ثابتاً وما ينهكه وما يخدعه وما يشبهه وما لا يشبهه يتعلم أن السكون ليس فراغاً كما يظن بل مساحة واسعة لإعادة ترتيب الفوضى التي خلفتها الأيام التي اندفع خلالها بلا وعي ولا توقف
وفي هذا الامتحان الصامت يبدأ القلب في فرز الأشياء يبدأ في التفريق بين ما كان ضرورة وما كان عبئاً بين من كان سنداً ومن كان حملاً بين من أحبك بصدق ومن أحب وجوده قربك فقط لأنك تمنحه ما يريد يبدأ العقل في مراجعة القرارات التي ظن أنها كانت صائبة ليكتشف أن بعضها كان هروباً وبعضها كان خوفاً وبعضها كان محاولة للتمسك بأشياء انتهت منذ زمن لكنه لم يجرؤ على الاعتراف بذلك
ومع مرور الوقت يدرك الإنسان أن الحياة لا تختبره بالصدمات الكبرى فقط بل تختبره أكثر بلحظات السكون لأنها تعرف أن الضجيج يجعلنا مشغولين عن رؤية حقيقتنا بينما الصمت يجعلنا أمامها وجهاً لوجه بلا أي حيلة وبلا أي تبرير هنا تظهر القوة الحقيقية التي لا تحتاج صراخاً ولا إعلاناً ولا شهوداً القوة التي تُبنى ببطء داخل الروح حتى يصبح الإنسان أثقل من أن تهزه الأحداث وأعمق من أن تربكه الخسارات
وفي هذا الاختبار أيضاً يتعلم الإنسان أن النضج ليس في أن يجيد الرد ولا في أن يربح المعارك الصغيرة ولا في أن يقنع الجميع بأنه بخير النضج الحقيقي هو أن يعرف متى يصمت ومتى يتراجع ومتى يترك شيئاً كان يتمسك به بشدة لأنه أدرك أنه لا يناسبه ولو تعلق به ألف مرة قبل ذلك النضج هو أن تقبل أن بعض الأبواب تُغلق لا لأنك لا تستحق العبور بل لأن الداخل لا يناسبك مهما تمنيت ذلك
وعندما ينتهي هذا الصمت يخرج الإنسان منه بشكل مختلف قد لا يراه الآخرون لكنه يشعر به في داخله يشعر أنه أكثر وضوحاً وأكثر خفة وأكثر قدرة على مواجهة الحياة دون أن يطلب دعماً ودون أن يخشى السقوط لأن الصمت علّمه كيف يقف وحده وكيف يسمع صوته الداخلي بعد أن كان يضيع وسط أصوات الآخرين
وهنا فقط يفهم الإنسان أن هذا الامتحان الصامت لم يكن عقاباً بل كان نعمة متنكرة في هيئة فراغ وأن الحياة لم تكن تريده أن ينهار بل كانت تريده أن ينضج وأن يرى نفسه كما لم يرها من قبل وأن يستعد لمرحلة جديدة لن يفهم قيمتها إلا بعد أن يعبر هذا السكون الذي ظنه في البداية مجرد فراغ بينما كان في الحقيقة أعمق مراحل البناء الداخلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى