“حين تختلّ البوصلة” بقلم: رقيه فريد

“حين تختلّ البوصلة”
بقلم: رقيه فريد
خلف كل جريمة قصة ألم لم تُروَ، وصرخة لم تُسمع، ويدًا لم تجد من يمسك بها في الوقت المناسب.
لم تعد الأخبار التي نتلقّاها يوميًا مجرد حوادث عابرة، تُسجَّل في صفحات الجرائم ثم تُطوى بنسيان سريع، بل تحوّلت إلى صدمات
متتالية تهزّ الوجدان وتُربك العقل. أمّ تقتل أبناءها الستة ثم تُنهي حياتها، طفلة بريئة تُنتهك براءة طفولتها على يد أقرب الناس إليها، عمّ يتحوّل من سندٍ إلى مصدر أذى، وطبيب رمز العلم والوعي يختار الرحيل قهرًا، وشابة تُنهي حياتها أمام أعين الجميع في بث مباشر مشاهد لا يمكن أن تُقرأ ببرود، ولا يجوز أن تمرّ كأرقام في سجلٍّ طويل من الألم
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد زيادة في معدلات الجريمة، بل تحوّل عميق في طبيعتها. فقد كانت الجرائم في وعي المجتمع غالبًا ما تأتي من خارج الدائرة الآمنة، من غريبٍ أو مجهول. أما اليوم، فقد تسللت إلى قلب هذه الدائرة، إلى داخل الأسرة نفسها، حيث يُفترض أن يكون الأمان مطلقًا، والثقة غير مشروطة. وهذا التحوّل هو ما يجعل الصدمة مضاعفة، لأن الخطر لم يعد بعيدًا، بل صار قريبًا حدّ الوجع.
الأمر الأكثر قسوة هو ذلك التزايد الملحوظ في الجرائم المرتبطة باليأس والانهيار النفسي. لم يعد الانتحار فعلًا نادرًا، ولا وليد لحظة منعزلة، بل أصبح في كثير من الحالات نتيجة تراكمات صامتة لم تجد من يصغي لها، أو بيئة تحتضنها. حتى أولئك الذين نظنهم أكثر وعيًا وصلابة، كالأطباء، لم يسلموا من هذا الانكسار، ما يكشف حجم الضغوط النفسية التي قد يواجهها الإنسان مهما بدا قويًا من الخارج.
ولا يمكن تجاهل دور التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، التي أرهقت الإنسان وأضعفت قدرته على التحمّل. الضغوط المعيشية، التفكك الأسري، غياب الحوار داخل البيوت، وتراجع القيم التي كانت تشكّل سياجًا أخلاقيًا، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة هشة، قابلة للانفجار في أي لحظة.
كما أن الانفتاح الرقمي، رغم إيجابياته، ألقى بظلاله الثقيلة على الصحة النفسية، خاصة مع انتشار المقارنات القاسية، والتنمر، والتعرض المستمر لمحتوى صادم، مما يجعل البعض يعيش في عزلة داخل عالم مزدحم، ويُفاقم شعورهم بالوحدة والاختناق.
إن ما يحدث اليوم هو جرس إنذار حقيقي، يدعونا جميعًا أفرادًا ومؤسسات إلى التوقف والتأمل. نحن بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل، إلى الاهتمام بالصحة النفسية كما نهتم بالصحة الجسدية، إلى فتح مساحات آمنة للحوار داخل الأسرة، وإلى دور أكثر فاعلية للمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية في ترسيخ القيم الإنسانية، وتعزيز الوعي.
الحلول لا تبدأ من القوانين فقط، رغم أهميتها، بل من الوعي. من أن نُدرك أن خلف كل جريمة قصة ألم لم تُروَ، وصرخة لم تُسمع، ويدًا لم تجد من يمسك بها في الوقت المناسب.
وفي خضم هذا السواد، يبقى الأمل مسؤولية. أن نكون أكثر رحمة ببعضنا، أكثر انتباهًا لمن حولنا، وأكثر استعدادًا لنسمع قبل أن تتحول الصمت إلى مأساة.





