أدب وثقافةمقالات

حين سقطت دمشق، وانتهت دولة وبدأت أخرى

كيف انتهى حكم بني أمية في المشرق؟

حين سقطت دمشق، وانتهت دولة وبدأت أخرى

كيف انتهى حكم بني أمية في المشرق؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل

هناك مدنٌ لا تُهزم بالسيف وحده، بل تُهزم حين تفقد القدرة على حماية الفكرة التي قامت عليها. وحين تسقط عاصمة إمبراطورية، لا تتغير حدود الدول فحسب، بل تتبدل موازين الحضارات، وتُطوى صفحاتٌ كاملة من التاريخ، بينما تُفتح أخرى لا تقل عنها تأثيرًا.

ولذلك لم يكن سقوط دمشق حدثًا عسكريًا عابرًا، بل كان زلزالًا سياسيًا وحضاريًا هز العالم الإسلامي بأسره. فالمدينة التي خرجت منها قرارات الفتوحات، ومنها انطلقت الجيوش إلى آسيا وإفريقيا وأوروبا، وجدت نفسها فجأة تستقبل راياتٍ جديدة، وسلطةً جديدة، وعصرًا جديدًا.

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد دمشق عاصمة الدولة الإسلامية كما عرفها المسلمون طوال نحو تسعين عامًا، بل أصبحت شاهدة على نهاية دولة صنعت أمجادًا واسعة، وبداية دولة أخرى ستعيد رسم خريطة العالم الإسلامي من جديد.

حين سقطت دمشق، وانتهت دولة وبدأت أخرى

كيف انتهى حكم بني أمية في المشرق؟

لم تكن معركة الزاب مجرد هزيمة عسكرية لمروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، بل كانت اللحظة التي انكسر فيها العمود الأخير الذي استندت إليه الدولة طوال عقود. فما إن تراجعت فلول الجيش الأموي حتى أخذت الولايات تتهاوى تباعًا، وأدرك الولاة والقادة أن الدولة التي حكمت العالم الإسلامي قد فقدت قدرتها على الدفاع عن نفسها.

وبين ليلة وضحاها، تبدلت الولاءات.

قبائلٌ كانت تقاتل بالأمس تحت راية بني أمية، بدأت تفتح قنوات التواصل مع العباسيين. وولاةٌ ظلوا سنوات يعلنون الطاعة لدمشق، صار همهم الأول الحفاظ على مناصبهم أو إنقاذ حياتهم. أما الجنود الذين أنهكتهم سنوات الصراع الداخلي، فقد فقد كثير منهم الرغبة في خوض معركة تبدو نتائجها محسومة.

وهكذا أخذت الدولة تتآكل من داخلها، حتى قبل أن تصل الجيوش العباسية إلى أسوار دمشق.

لكن دمشق لم تكن مدينةً كسائر المدن.

كانت القلب الذي ضخ الدم في جسد الدولة الأموية منذ أن جعلها معاوية بن أبي سفيان عاصمة للخلافة. ومنها صدرت أوامر الفتح إلى خراسان شرقًا، وإلى الأندلس غربًا، ومنها انطلقت الجيوش التي عبرت جبال القوقاز، ووصلت إلى أطراف فرنسا، وحملت الإسلام إلى بقاع لم يكن العرب يعرفونها من قبل.

وعلى مدى نحو تسعين عامًا، اعتاد أهل دمشق أن يروا السفراء يتوافدون إلى قصورها، والولاة ينتظرون رسائلها، والغنائم تتدفق إلى بيت مالها، حتى خُيّل لكثيرين أن سلطان بني أمية باقٍ ما بقيت دمشق قائمة.

غير أن الدول، مهما بلغت قوتها، قد يأتي عليها يوم تكتشف فيه أن أخطر أعدائها ليسوا دائمًا على حدودها، بل قد يكونون في داخلها، حيث تتراكم الخلافات، وتتسع الفجوة بين السلطة وأطراف الدولة، وتتحول الانتصارات القديمة إلى ذكريات لا تكفي لحماية الحاضر.

وبينما كان مروان بن محمد ينسحب جنوبًا بعد هزيمة الزاب، كانت الأخبار تسبقه إلى المدن. مدينة بعد أخرى. وحصن بعد آخر. وحاكم بعد آخر. حتى أصبحت دمشق، لأول مرة منذ قيام الدولة الأموية، مدينة تنتظر مصيرها، بدل أن تصنع مصائر الآخرين.

في تلك الأيام، كانت الجيوش العباسية بقيادة عبد الله بن علي تتقدم بثقة نحو عاصمة الأمويين. ولم تكن تواجه مقاومة تشبه تلك التي واجهتها في بداية الثورة؛ فقد كانت هيبة الدولة الأموية قد تصدعت، وكثير من القوى التي اعتمدت عليها دمشق طوال عقود لم تعد ترى جدوى في القتال حتى النهاية. وحين اقتربت الرايات السود من المدينة، كان الجميع يدرك أن ما سيحدث لن يكون مجرد تبديل لحاكم بآخر، بل نهاية عصر كامل. دخل العباسيون دمشق.

ولم يكن دخولهم مجرد انتصار عسكري، بل كان إعلانًا بأن العاصمة التي حكمت العالم الإسلامي قرابة قرن قد فقدت عرشها.

رفرفت الرايات السود فوق الأسوار التي اعتادت الرايات البيضاء.

وسارت الجيوش في الشوارع التي طالما خرجت منها جيوش الفتح.

ودخل قادة الدولة الجديدة القصور التي حكم منها خلفاء بني أمية إمبراطورية امتدت من حدود الصين شرقًا إلى شواطئ المحيط الأطلسي غربًا.

كان المشهد صامتًا.

لكن التاريخ كان يكتب إحدى أكثر صفحاته تأثيرًا.

لم يعد الأمر يتعلق بمدينة دخلها جيش منتصر، بل بدولة انتهت، وأخرى بدأت تفرض نفسها على العالم الإسلامي.

ولم يكن سكان دمشق وحدهم من يدركون عظمة اللحظة، بل كانت أنظار المسلمين في الأمصار كلها تتجه نحو الشام، تترقب ما ستؤول إليه الأمور، بعدما أصبحت المدينة التي كانت بالأمس مركز القرار السياسي مجرد ولاية في دولة جديدة تتشكل ملامحها بسرعة.

لم يكن سقوط دمشق نهاية المعركة.

بل كان بداية مرحلة أشد قسوة.

فالعباسيون، الذين انتزعوا الحكم بعد سنوات طويلة من الدعوة السرية والقتال، كانوا يدركون أن النصر العسكري وحده لا يكفي لتثبيت أركان الدولة. فما دام في الأرض أمير أموي يستطيع أن يجمع حوله الأنصار، فإن الثورة لم تنته بعد، وما دام الناس يتذكرون البيت الذي حكمهم عشرات السنين، فإن احتمال عودة الأمويين سيظل قائمًا.

ولهذا بدأت الدولة الجديدة أولى خطواتها بحسم بالغ.

فأُعلن قيام الخلافة العباسية رسميًا، وأُخذت البيعة للخليفة الجديد، وأعيد تنظيم الولايات، وعُيّن الولاة والقادة ممن عُرفوا بولائهم للدعوة العباسية، في محاولة لإغلاق الطريق أمام أي محاولة لإحياء الدولة الأموية من جديد.

ولم يكن ذلك مجرد تغيير في أسماء الحكام، بل كان تحولًا عميقًا في بنية الدولة نفسها.

فالشام، التي كانت طوال العصر الأموي قلب العالم الإسلامي ومركز صناعة القرار، أخذت تفقد مكانتها السياسية شيئًا فشيئًا، بينما اتجهت أنظار العباسيين نحو العراق وخراسان، حيث انطلقت دعوتهم، وهناك وجدوا أنصارهم وقواعد قوتهم. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح العراق مركز الثقل الجديد، لتبدأ مرحلة مختلفة ازدهرت فيها الإدارة، واتسعت حركة الترجمة، ونمت العلوم، وتشكلت ملامح حضارة عباسية ستترك أثرًا بالغًا في تاريخ الإنسانية.

لكن تثبيت الدولة لم يكن يعني أن طريقها أصبح آمنًا.

ففي أنحاء الشام ومصر والجزيرة، كان كثير من رجال بني أمية ما يزالون أحياء، وبعضهم يمتلك المال والسلاح والأنصار. وكان العباسيون يعلمون أن ترك هؤلاء دون ملاحقة قد يفتح الباب أمام ثورة جديدة تعيد إشعال الحرب.

لذلك انطلقت حملات واسعة لتعقب أفراد الأسرة الأموية وكبار رجالها.

قُتل عدد منهم.

وأُلقي القبض على آخرين.

واختفى بعضهم بين القبائل والبوادي، متخفين بأسماء مستعارة، بعدما كانوا بالأمس أصحاب السلطان والنفوذ.

وتذكر بعض المصادر التاريخية أن موجة الانتقام بلغت حد نبش قبور عدد من خلفاء بني أمية، وإن اختلف المؤرخون في تفاصيل تلك الروايات، فإن مجرد تداولها يكشف حجم الاحتقان السياسي الذي رافق انتقال السلطة، ويعكس أن الصراع لم يكن على الحكم وحده، بل كان صراعًا على الشرعية والذاكرة أيضًا.

وفي خضم هذه الأحداث، كان آخر الخلفاء الأمويين، مروان بن محمد، يواصل رحلة الفرار.

خرج من الشام إلى فلسطين، ثم واصل سيره نحو مصر، وهو يدرك أن العاصمة قد ضاعت، لكنه لم يفقد الأمل بعد.

كان يظن أن مصر، بما لها من موقع وقوة، قد تمنحه فرصة أخيرة لإعادة جمع ما تبقى من أنصار بني أمية، وبناء جيش جديد يعيد به الكرة على العباسيين.

لكن الزمن لم يكن يعمل لصالحه.

فالدولة التي كانت تمتد من أطراف الصين إلى المحيط الأطلسي لم يعد لها جيش يجتمع، ولا بيت مال ينفق، ولا ولاة يهبون لنصرة خليفتهم.

كانت الإمبراطورية التي أخافت العالم يومًا تتفكك أمام عيني آخر خلفائها.

ولم يمهل العباسيون خصمهم طويلًا.

فقد واصلت قواتهم مطاردته حتى أدركته في مصر، حيث دارت المواجهة الأخيرة، وقُتل مروان بن محمد سنة 132 للهجرة، لتنتهي بموته صفحة الخلافة الأموية في المشرق بعد ما يقارب تسعين عامًا من قيامها.

وبسقوط مروان، خُيّل لكثير من الناس أن قصة بني أمية قد انتهت إلى الأبد.

لكن التاريخ كثيرًا ما يخفي مفاجآته في أكثر اللحظات ظلمة.

فقد تموت دولة.

ولا تموت الفكرة.

وقد يسقط العرش.

لكن ينجو من بين أنقاضه رجل يحمل في قلبه حلمًا أكبر من الهزيمة نفسها.

وبين عشرات المطاردين الذين فروا من سيوف العباسيين، كان شاب أموي يشق طريقه بعيدًا عن أعين الجنود، لا يملك جيشًا يحميه، ولا مدينة تؤويه، ولا مالًا يعينه على الرحلة.

كان يحمل شيئًا واحدًا فقط.

اسمًا سيعود بعد سنوات ليملأ الدنيا من جديد.

كان ذلك الشاب هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك.

لم يكن يومها قائدًا مشهورًا، ولا أميرًا يلتف حوله الناس، بل كان واحدًا من عشرات الأمراء الذين أصبحوا فجأة مطاردين بعد أن كانوا أبناء الدولة الحاكمة.

وبينما كانت السيوف تلاحق البيت الأموي في كل مكان، كان عبد الرحمن يفر من قرية إلى أخرى، ومن وادٍ إلى آخر، يدرك أن الوقوع في الأسر يعني نهاية حياته، وأن النجاة لم تعد تعني الحفاظ على نفسه فحسب، بل الحفاظ على آخر أمل لبني أمية.

لم يكن يعلم أن القدر يهيئ له طريقًا سيعبر به الصحارى والأنهار والبحار، ليصل بعد سنوات إلى أقصى الغرب الإسلامي، حيث ستولد من جديد دولة أموية، ولكن هذه المرة على أرض الأندلس.

وهكذا، بينما كانت الدولة الأموية تلفظ أنفاسها الأخيرة في دمشق، كانت بذرتها الجديدة تبدأ رحلتها في مكان آخر.

إنها إحدى المفارقات العجيبة في التاريخ.

فقد يسقط العرش في المشرق، ليولد من رماده عرش آخر في أقصى المغرب.

ولهذا، فإن سنة 132 للهجرة لم تكن سنة نهاية فقط، بل كانت أيضًا سنة بداية.

انتهت دولة بني أمية في المشرق.

لكن اسمها لم يختف من صفحات التاريخ.

بل عاد بعد سنوات قليلة ليصنع واحدة من أزهى الحضارات الإسلامية، حضارة ستجعل من قرطبة منارةً للعلم، ومقصدًا للفقهاء والأطباء والفلاسفة والمهندسين، في الوقت الذي كانت فيه أجزاء واسعة من أوروبا تعيش عصورها الوسطى.

وهكذا أثبت التاريخ مرة أخرى أن الدول قد تسقط، لكن الأفكار القوية لا تموت بسهولة، وأن الهزيمة ليست دائمًا الفصل الأخير في قصة الأمم.

غير أن سقوط بني أمية لم يكن آخر مفاجآت الثورة العباسية.

ففي الوقت الذي كان الناس يحتفلون بقيام الدولة الجديدة، كان رجل آخر يقف في قمة مجده ونفوذه.

رجل لم يكن خليفة.

لكنه كان صاحب الفضل الأكبر في وصول العباسيين إلى الحكم.

إنه أبو مسلم الخراساني.

ذلك القائد الذي أشعل الثورة في خراسان، ووحّد أنصارها، وقاد جيوشها حتى أسقط الدولة الأموية، وأصبح اسمه يتردد في أرجاء الدولة الجديدة باعتباره بطل الانتصار وصانع الدولة.

غير أن التاريخ يعلمنا أن الثورات كثيرًا ما تأكل أبناءها.

فالسلطة لا تحب أن يشاركها أحد المجد، ولا تطمئن إلى رجل يلتف الناس حوله أكثر مما يلتفون حول الخليفة نفسه.

ولذلك، فإن الدولة التي قامت بسيف أبي مسلم، ستخشى ذلك السيف بعد أن استقرت أركانها.

وسرعان ما سيتحول الرجل الذي صنع النصر إلى مصدر قلق للدولة التي صنعها بيديه.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر القصص إثارة في التاريخ الإسلامي.

قصة قائدٍ صنع دولةً، ثم دفع حياته ثمنًا لذلك.

إنها قصة أبي مسلم الخراساني.

الرجل الذي صنع الثورة

ثم ابتلعته الثورة نفسها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى