أدب وثقافة

حين عاد الصراع إلى القاهرة.. بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

حين عاد الصراع إلى القاهرة

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

فرج بن برقوق والسلطنة التي خرجت من حصار تيمور لتدخل حصار الأمراء

لم يكن سقوط بايزيد الأول أسيرًا في يد تيمور سنة 1402م هو نهاية الحكاية.

فبينما كان تيمور ينتقل من الأناضول إلى آسيا الوسطى، وكانت الدولة العثمانية تدخل مرحلة اضطراب وصراع بين أبناء بايزيد، كانت القاهرة تعيش أزمة من نوع آخر.

هناك، في عاصمة المماليك، لم يكن الخطر يأتي هذه المرة من جيش أجنبي يقف على الحدود.

كان الخطر قد دخل إلى قلب الدولة نفسها.

فالسلطان فرج بن برقوق ورث عن أبيه عرشًا قويًا في ظاهره، لكنه كان محاطًا بأمراء كبار، لكل واحد منهم رجاله ومماليكه ومصالحه وطموحه.

ومع مرور السنوات، أصبح السؤال الحقيقي ليس:

من يحكم مصر والشام؟

بل من يملك القدرة على أن يجعل الآخرين يطيعون؟

وهنا تبدأ قصة واحدة من أكثر مراحل الدولة المملوكية اضطرابًا؛ مرحلة لم يسقط فيها السلطان لأن عدوًا خارجيًا هزمه وحده، وإنما لأن الصراع بين أهل البيت المملوكي نفسه أصبح أقوى من قدرة العرش على احتوائه.

عرش أكبر من صاحبه

عندما مات السلطان الظاهر برقوق سنة 1399م، انتقل العرش إلى ابنه فرج.

كان فرج صغير السن، بينما كانت الدولة تضم عددًا كبيرًا من الأمراء الذين صنعوا نفوذهم في عهد أبيه.

وهذه كانت أول مشكلة.

فبرقوق لم يصل إلى السلطنة لأنه ابن سلطان.

لقد صنع طريقه وسط صراعات المماليك، وانتصر على خصومه، وعرف كيف يوازن بين القوى المتنافسة، وكيف يمنح هذا الأمير شيئًا، ويمنع عن ذاك شيئًا آخر.

أما فرج، فقد ورث النتيجة من دون أن يكون قد خاض المعركة التي صنعتها.

وهكذا أصبح العرش أكبر من صاحبه.

وكانت النتيجة أن الأمراء لم ينظروا إلى فرج بوصفه مركز القوة الوحيد، وإنما بوصفه سلطانًا يحتاج إلى من يحميه، ومن هنا بدأ الخلل.

ولم يمنح تيمور فرج فرصة لالتقاط أنفاسه

لم يمض وقت طويل حتى جاء الخطر من الشرق.

تحرك تيمور نحو بلاد الشام سنة 1400م، فسقطت حلب، ثم امتد الخطر إلى دمشق.

خرج فرج لمواجهة تيمور، لكن الظروف السياسية داخل الدولة أجبرته على العودة إلى مصر، وانتهى الأمر بأن تركت دمشق لمصيرها أمام جيش تيمور.

ولم يكن خروج فرج من دمشق مجرد انسحاب عسكري.

لقد كشف شيئًا أخطر.

كشف أن السلطان نفسه لم يكن قادرًا على أن يجمع أمراءه حول قرار واحد في اللحظة التي كانت الدولة تحتاج فيها إلى أقصى درجات التماسك.

وتذكر الدراسات التاريخية أن فرج خرج إلى الشام لمواجهة قوات تيمور، لكن تمردًا داخل المعسكر المملوكي أجبر كبار الأمراء على العودة إلى مصر، بينما تركت دمشق لمصيرها.

وهنا بدأت صورة السلطان تتغير.

لم يعد السؤال فقط: هل يستطيع فرج هزيمة أعدائه؟

بل أصبح السؤال:

هل يستطيع أصلًا أن يجعل جيشه وأمراءه يتحركون تحت قيادته؟

تيمور يرحل لكن آثاره تبقى

رحل تيمور عن بلاد الشام واتجه نحو الأناضول.

ثم جاءت أنقرة سنة 1402م، حيث واجه السلطان العثماني بايزيد الأول، وانتهت المعركة بهزيمة بايزيد وأسره.

كان العالم الإسلامي كله يتابع هذه التحولات.

لكن في القاهرة كان هناك من ينظر إلى الأمر بطريقة مختلفة.

لقد رحل تيمور، نعم.

لكن آثار حملاته بقيت.

فالدولة المملوكية خرجت من سنوات المواجهة وهي أكثر انقسامًا، وأقل قدرة على ضبط أطرافها، بينما كانت الشام نفسها قد تحولت إلى ساحة واسعة تتصارع فيها مراكز النفوذ.

وبعد وفاة تيمور سنة 1405م، لم تختفِ الأزمة.

فالأزمة لم تكن تيمور وحده.

كانت الأزمة أن الدولة التي واجهت تيمور لم تعد هي الدولة التي بناها برقوق.

فقد دخلت السلطنة بعد وفاة برقوق في سنوات طويلة من الصراع الداخلي أضعفت سلطة المركز، وهو ما جعل سلطة المماليك في بعض المناطق تتراجع بشدة.

القاهرة التي لم تهدأ

في القاهرة، كانت السلطة تبدو مستقرة على الورق.

السلطان يجلس في القلعة.

الأوامر تصدر باسمه.

الخطبة باسمه.

والأموال والولايات والمناصب تمر من خلاله.

لكن خلف هذا المشهد الرسمي كانت هناك شبكة أخرى من القوة.

أمراء كبار.

مماليك تابعون لهم.

ولايات في الشام.

مصالح اقتصادية.

تحالفات تتغير بسرعة.

ولهذا لم يكن عزل أمير أو تعيين آخر قرارًا إداريًا بسيطًا.

كان يعني إعادة توزيع القوة.

ومن هنا أصبح كل قرار يصدر من السلطان قادرًا على صناعة خصم جديد.

السلطان يبحث عن رجاله

كان فرج يدرك الخطر.

فبدأ يبحث عن رجال يثق بهم.

لكن المشكلة أن السلطان عندما يكون محاطًا بالأمراء الأقوياء، فإن اختياره لرجاله قد يتحول في نظر الآخرين إلى إعلان حرب.

الأمير الذي يقترب من السلطان يثير قلق خصومه.

والأمير الذي يبتعد عنه يبحث عن حماية خارج دائرة القصر.

وبذلك أصبحت السلطنة تتحرك بين مجموعات من الولاء المؤقت.

لا أحد يضمن أن حليف اليوم سيظل حليفًا غدًا.

وهذه إحدى أخطر سمات الدولة التي تفقد مركزها السياسي:

أن التحالفات تصبح أقوى من المؤسسات.

الشام لم تكن مصر

كانت المشكلة أكبر من القاهرة.

فالشام لم تكن مجرد إقليم ينتظر أوامر العاصمة.

كانت تضم أمراء كبارًا، ومدنًا استراتيجية، ومراكز عسكرية واقتصادية مهمة.

ومع ضعف السلطة المركزية، بدأ بعض هؤلاء الأمراء يتصرفون باستقلال متزايد.

وكان من أبرز الأسماء التي ظهرت في هذه المرحلة تنم، وجكم، ونوروز، ثم الشيخ المحمودي، الذي سيصبح لاحقًا السلطان المؤيد شيخ.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.

فالشيخ لم يظهر فجأة في نهاية قصة فرج.

لقد كان واحدًا من كبار رجال الدولة الذين صعد نفوذهم تدريجيًا وسط هذا الصراع، قبل أن يتحول في النهاية إلى الرجل الذي سيجلس على العرش.

وهذا التفصيل مهم؛ لأن سقوط فرج لم يكن مجرد انتصار مفاجئ لأمير على سلطان.

كان نتيجة سنوات من إعادة توزيع القوة داخل الدولة.

الجوع يدخل المعركة

ولم تكن السياسة وحدها تصنع الأزمة.

فالبلاد كانت تمر بظروف اقتصادية وصحية قاسية، وتداخلت آثار الحروب والاضطرابات مع الأوبئة والمشكلات الزراعية والمالية.

وتراجع قدرة الدولة على ضبط الأقاليم انعكس على حركة الأموال والضرائب والأسواق.

وكانت القاهرة تدفع ثمن الحروب التي لم تكن تنتهي.

ولذلك فإن الحديث عن أزمة النيل أو ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي لتفسير ما حدث.

كانت هناك أزمة مركبة:

حروب متكررة، اضطراب سياسي، ضعف في موارد الدولة، أوبئة، وضغط على السكان.

وفي مثل هذه الظروف لا يحتاج السلطان إلى خصم قوي كي يضعف.

يكفي أن تصبح الدولة نفسها عاجزة عن دفع ثمن بقائها.

عندما يصبح القصر نفسه ساحة معركة

كلما ازداد خوف فرج من الأمراء، ازداد اعتماده على دائرة ضيقة من الرجال.

وكلما ازداد اعتمادُه على هذه الدائرة، شعر الآخرون بأنهم مهددون.

وهكذا دخلت السلطنة في دائرة مغلقة.

الخوف يولد المؤامرة.

والمؤامرة تولد القمع.

والقمع يولد مؤامرة جديدة.

وكان الأمراء يعرفون أن السيطرة على السلطان تعني السيطرة على الدولة.

أما فرج، فكان يعرف أن السماح لأحدهم بالاقتراب أكثر من اللازم قد يعني نهايته.

ومن هنا تحولت القاهرة إلى ساحة سياسية لا تقل خطورة عن ساحات القتال.

سنة 1405م السلطان يخرج من عرشه

بلغ الصراع ذروته سنة 1405م.

وفي سبتمبر من ذلك العام، غادر فرج موقع الحكم تحت ضغط الصراعات والمؤامرات، وتولى أخوه عبد العزيز السلطنة لفترة قصيرة.

لم يكن ذلك انتقالًا طبيعيًا للسلطة.

كان تعبيرًا واضحًا عن أن العرش نفسه أصبح رهينة للأمراء.

لكن عبد العزيز لم يستطع أن يثبت سلطته.

فالذين أزاحوا فرج لم يكونوا كتلة واحدة متماسكة، وكان لكل فريق حساباته.

وبعد فترة قصيرة عاد فرج إلى السلطنة في نوفمبر من العام نفسه.

وهنا ظهرت مفارقة خطيرة:

الرجل الذي خرج من الحكم لأن الأمراء انقلبوا عليه، عاد إلى الحكم لأن الأمراء أنفسهم لم يتفقوا على بديل دائم.

وتؤكد قوائم السلاطين أن حكم فرج الأول انتهى في 20 سبتمبر 1405م، ثم تولى أخوه عبد العزيز لفترة قصيرة، قبل عودة فرج إلى السلطنة في نوفمبر من العام نفسه.

لماذا عاد فرج؟

عاد فرج لأن خصومه لم يستطيعوا الاتفاق على دولة من دونه.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

ففي الأنظمة التي تقوم على توازن القوى، لا يكفي أن يسقط السلطان.

يجب أن يوجد شخص قادر على ملء الفراغ.

وحين فشل الأمراء في صناعة بديل مستقر، وجد فرج فرصة للعودة.

لكن عودته لم تكن عودة السلطان القوي.

كانت عودة رجل يعرف أن عرشه قائم على خلاف خصومه.

ولهذا لم تنتهِ الأزمة.

بل دخلت مرحلة أكثر عنفًا.

الشام يتحول إلى مركز الخطر

مع عودة فرج، ازداد الصراع مع أمراء الشام.

وكان نوروز من أبرز خصومه، إلى جانب جكم وغيره من الأمراء الذين أصبحوا يملكون نفوذًا حقيقيًا في المدن السورية.

وكانت حلب ودمشق وما حولهما تتحول تدريجيًا إلى مراكز مقاومة للسلطة القادمة من القاهرة.

ولم يعد الأمر مجرد تمرد عابر.

لقد أصبح السؤال:

هل تستطيع القاهرة أن تحكم الشام فعلًا؟

أم أن الشام أصبحت قادرة على فرض شروطها على القاهرة؟

وفي بعض اللحظات وصل الصراع إلى حد أن جكم أعلن نفسه سلطانًا في حلب.

وهذا يكشف مدى التراجع الذي أصاب هيبة المركز.

فرج يخرج إلى الحرب

لم يكن أمام فرج سوى استخدام القوة.

فخرج إلى الشام في حملات متكررة.

وكانت تلك الحملات تستنزف السلطنة أكثر مما تحسم الصراع.

وتذكر المصادر أن فرج واجه خلال حكمه سبع حملات عسكرية ضد أمراء متمردين في الشام، وإن كانت الدراسات تختلف في تفصيل كل حملة ومسارها.

وهنا تكمن المأساة.

فالسلطان كان ينتصر أحيانًا في موقع، ثم يعود الصراع في موقع آخر.

وكان الأمير الذي يُهزم اليوم يستطيع أن يعود غدًا إذا احتفظ برجاله وتحالفاته.

ولهذا لم تكن المشكلة في عدد المعارك.

كانت المشكلة أن الحرب نفسها لم تعد تنتج حلًا سياسيًا.

ثم جاء الوباء

وكأن الحروب لم تكن كافية، جاءت الأوبئة لتزيد المشهد قسوة.

كانت الدولة تحتاج إلى المال لتمويل الجيوش، وإلى الاستقرار لإعادة بناء اقتصادها، وإلى قوة سياسية تستطيع تحصيل الموارد.

لكنها كانت تحصل على العكس تمامًا.

الحروب تستنزف المال.

والأوبئة تقلل السكان والنشاط الاقتصادي.

والاضطراب السياسي يضعف قدرة الدولة على تحصيل مواردها.

ثم يعود نقص المال ليؤدي إلى مزيد من الاضطراب.

وهكذا أصبحت الدولة تدور في دائرة يصعب كسرها.

السلطان الذي أصبح يخاف من الأمراء

مع مرور الوقت، لم يعد فرج يثق بسهولة في رجال دولته.

وكان هذا الخوف مفهومًا من الناحية السياسية.

فقد عاش سنوات من المؤامرات، وشهد أخاه يجلس على العرش مكانه، ورأى أمراء يبدلون ولاءاتهم بسرعة.

لكن المشكلة أن الخوف، عندما يتحول إلى أسلوب حكم، يجعل السلطان يرى الخطر في كل مكان.

وبدلًا من أن يبحث عن تسوية مع خصومه، أصبح يميل إلى التخلص منهم أو إضعافهم.

وبذلك اتسعت دائرة العداء.

لم يعد بعض الأمراء يقاتلون من أجل النفوذ فقط.

بل أصبحوا يرون أن بقاء فرج نفسه خطر على بقائهم.

سبع حملات والعدو نفسه يعود

كان فرج يخرج إلى الشام، ويواجه الأمراء، ثم يعود.

ثم تبدأ الأزمة من جديد.

مرة مع جكم.

ومرة مع نوروز.

ومرة مع تحالفات جديدة.

وكان الشيخ المحمودي حاضرًا في هذه المرحلة بوصفه واحدًا من رجال القوة الذين أخذ نفوذهم في الازدياد.

ولم يكن الشيخ في البداية هو الرجل الذي يسيطر على الدولة.

لكن التاريخ أحيانًا يصنع السلاطين من قلب الأزمات.

فالرجل الذي يدخل الصراع بوصفه أميرًا قد يجد نفسه بعد سنوات أمام عرش فارغ.

وهذا ما سيحدث للشيخ.

تيمور يموت لكن مشكلته لا تموت

في سنة 1405م مات تيمور.

وانتهى بذلك واحد من أخطر التهديدات الخارجية التي واجهت المنطقة في تلك الفترة.

لكن رحيل تيمور لم يعالج جرح السلطنة المملوكية.

فقد تركت حملاته أثرًا عميقًا في ميزان القوى الإقليمي، بينما كانت الدولة العثمانية نفسها تدخل مرحلة الصراع بين أبناء بايزيد بعد أن هُزم والدهم في أنقرة.

وفي الوقت نفسه كانت القاهرة والشام تعيشان صراعًا داخليًا طويلًا.

وهكذا أصبح واضحًا أن الدولة المملوكية لم تكن مهددة فقط من الخارج.

لقد أصبح داخلها ما يكفي لإبقائها في حالة حرب.

لماذا لم يستطع فرج أن يعيد دولة أبيه؟

هنا نصل إلى جوهر الحكاية.

برقوق كان قد بنى سلطته بنفسه.

أما فرج فقد ورثها.

برقوق عرف الأمراء لأنه كان واحدًا منهم قبل أن يصبح سلطانًا.

أما فرج فوجد نفسه فوقهم منذ طفولته.

برقوق امتلك شبكة من الرجال صنعها عبر سنوات طويلة.

أما فرج فقد ورث شبكة لم يصنعها، وكان عليه أن يحافظ عليها في وقت كانت فيه المصالح قد تغيرت.

وهذا هو الفارق بين من يبني السلطة ومن يرثها.

ولهذا لم يستطع فرج أن يعيد دولة أبيه.

لم يكن يملك الأدوات نفسها.

والأهم من ذلك أنه ورث دولة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة.

النهاية تقترب من دمشق

بحلول سنة 1412م كان الصراع قد بلغ مرحلة لم يعد فيها فرج قادرًا على السيطرة على الأمراء.

وفي حملته الأخيرة، واجه تحالفًا من أمراء الشام، وانتهى الأمر بهزيمته.

لم تكن الهزيمة مجرد خسارة معركة.

لقد كانت نهاية قدرة السلطان على المناورة.

هرب فرج إلى قلعة دمشق، محاولًا الاحتماء بها.

لكن لم يعد هناك طريق للعودة.

أُجبر على الاستسلام، وانتهت حياته في دمشق في مايو 1412م.

وتشير المصادر إلى أن نهايته جاءت بعد هزيمته في صراعه الأخير مع أمراء الشام وفراره إلى قلعة دمشق ثم استسلامه، لتنتهي حياته في 23 مايو 1412م وفق التسلسل الأشهر للتواريخ.

وهكذا انتهى سلطان قضى معظم حكمه في محاولة إثبات أنه سلطان.

السلطان الذي انتهى في السجن

كانت نهاية فرج قاسية.

فالرجل الذي ورث عرش برقوق، والذي عاد إلى السلطنة بعد أن أُخرج منها، والذي خاض حملات متكررة لاستعادة السيطرة على الشام، انتهى أسيرًا بعد آخر هزيمة.

لكن موته لم يحل المشكلة.

لأن السؤال الذي بقي بعده كان أخطر:

من سيجلس على العرش؟

الأمراء الذين أسقطوا فرج لم يستطيعوا الاتفاق على واحد منهم.

فكل واحد كان يخشى أن يتحول منافسه إلى سلطان.

وهنا ظهر حل يحمل في داخله تناقضًا كبيرًا.

عندما لم يجد الأمراء سلطانًا منهم

كان أبو الفضل العباس المستعين بالله هو الخليفة العباسي في القاهرة.

ولأن الأمراء لم يتفقوا على سلطان مملوكي جديد، جرى تنصيبه سلطانًا إلى جانب منصبه خليفة.

وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة:

لم يكن المستعين مجرد خليفة جلس على العرش بصورة شكلية منذ اللحظة الأولى.

لقد قبل السلطنة بعد عزل فرج، وكان يدرك أن منصبه الجديد يمنحه مساحة من الشرعية والسلطة.

لكن القوة الفعلية بقيت في أيدي كبار الأمراء، وعلى رأسهم الشيخ المحمودي ونوروز.

وهكذا أصبح المستعين سلطانًا وخليفة في الوقت نفسه، في تجربة قصيرة حاول فيها الأمراء استخدام الشرعية العباسية للخروج من مأزق الصراع المملوكي.

ثم بدأ الصراع الجديد.

فالسلطان الذي ظن بعض الأمراء أنهم يستطيعون التحكم فيه لم يكن مستعدًا بالضرورة لأن يبقى مجرد واجهة.

وتشير المصادر إلى أن المستعين شارك في بعض شؤون الحكم، وأُصدرت عملات باسمه، وهو ما دل على أنه لم ينظر إلى السلطنة باعتبارها مجرد لقب بلا سلطة.

وهنا بدأ الخلاف بينه وبين الشيخ المحمودي.

الشيخ الذي كان ينتظر خلف الستار

لم يكن الشيخ المحمودي رجلًا ظهر فجأة بعد موت فرج.

لقد كان قد صعد خلال سنوات الأزمة، وشارك في الصراع السياسي والعسكري، وأصبح واحدًا من أهم رجال الدولة.

لكن بعد سقوط فرج، وجد نفسه أمام مرحلة جديدة.

المستعين يمتلك الشرعية.

ونوروز يمتلك نفوذًا واسعًا في الشام.

والشيخ يملك القوة في مصر.

وهكذا لم يعد السؤال:

من أسقط فرج؟

بل من سيرث الدولة بعد فرج؟

بدأ الشيخ يتحرك بهدوء.

لم يسقط المستعين في يوم واحد.

بل أخذ نفوذه يتسع تدريجيًا، بينما كان خصومه يتراجعون.

وعندما نجح في تحييد منافسه الأكبر نوروز، أصبح الطريق أمامه مفتوحًا.

وفي 6 نوفمبر 1412م أُعلن الشيخ سلطانًا، واتخذ لقب المؤيد شيخ.

وهكذا انتهت تجربة المستعين سلطانًا بعد نحو ستة أشهر.

لكن قصة الشيخ لم تكن قصة أمير استولى على عرش فارغ فقط.

لقد كان أمامه شيء أصعب بكثير:

إعادة بناء سلطة مملوكية خرجت من سنوات طويلة وهي تنزف من الداخل.

من وراء الستار…

لم يكن تيمور هو الذي أسقط الدولة المملوكية.

ولم تكن هزيمة بايزيد هي التي حطمتها.

ولم يكن الوباء وحده هو الذي أضعفها.

كانت تلك كلها عوامل ضغط كشفت مرضًا أعمق.

الدولة التي بناها برقوق دخلت بعد موته في صراع طويل على من يملكها.

وحين غاب السلطان القادر على فرض التوازن، أصبح الأمراء أنفسهم مراكز سلطة متنافسة.

فرج لم يكن مجرد سلطان ضعيف.

كان ابنًا لسلطان قوي، ورث دولة تغيرت قواعدها في اللحظة التي ورث فيها العرش.

ولهذا لم تكن مأساة فرج أنه خسر معركة واحدة.

مأساته أنه ظل يخوض المعارك في دولة لم تعد المشكلة فيها أن العدو يقف على حدودها.

بل أن العدو أصبح يجلس داخل القصر نفسه.

لكن التاريخ لم يكن قد أغلق هذا الفصل بعد.

فالرجل الذي خرج من سنوات الفوضى وهو يحمل لقب المؤيد كان على وشك أن يخوض معركة مختلفة.

معركة لا تهدف فقط إلى امتلاك العرش…

بل إلى إعادة تعريف معنى أن يكون هناك سلطان أصلًا.

وفي المقال القادم:

حين حاول المؤيد شيخ أن يعيد للسلطان هيبته

من أميرٍ خرج من الفوضى إلى سلطانٍ حاول أن يعيد بناء الدولة من جديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى