حين عاد المغول إلى دمشق.
بقلم / محمد مصطفى كامل
المعركة التي أعادت شبح بغداد إلى الشام
هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى جيشٍ كي تثير الخوف.
يكفي أن يُذكر اسم.
وفي المشرق الإسلامي، كان هناك اسمٌ واحد ظل قادرًا على فتح جراحٍ لم تندمل تمامًا ،،،
المغول.
كان أهل الشام قد عرفوا هذا الاسم قبل عقود.
عرفوه يوم سقطت بغداد، وتهاوت الخلافة العباسية، وامتلأت الطرقات بالنازحين، ثم امتدت موجة الرعب نحو الشام.
لكنهم عرفوا أيضًا يوم انكسرت تلك الموجة عند عين جالوت.
ومنذ ذلك اليوم، بدا أن المغول أصبحوا خطرًا يمكن ردّه.
ثم مرت السنوات.
سقطت عكا سنة 1291م، وانتهى الوجود الصليبي الكبير في الساحل الشامي، وبدت دولة المماليك وكأنها دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار.
لكن التاريخ كان يخفي مفاجأته في الشرق.
فالمغول لم يختفوا.
والأخطر من ذلك أنهم تغيروا.
لم يعد القادم هذه المرة هو هولاكو.
ولم يكن أمامه قطز وبيبرس.
كان القادم رجلًا آخر.
غازان.
مغوليًا من سلالة هولاكو، لكنه اعتنق الإسلام واتخذ اسم محمود.
وهنا بدأت واحدة من أكثر مفارقات التاريخ الإسلامي إثارة ،
مغولٌ مسلمون يدخلون الشام لمحاربة دولة إسلامية.
فهل كان الإسلام قد أنهى عداوة المغول للمماليك؟
أم أن الدول لا تتحرك دائمًا وفق العقيدة وحدها؟
وهل كان غازان يريد دمشق فقط؟
أم أن دمشق لم تكن سوى الباب الذي يؤدي إلى مصر؟
هنا تبدأ الحكاية.
بعد عكا ظن المماليك أن الخطر انتهى
عندما سقطت عكا سنة 1291م، لم تسقط مدينة فحسب.
كان ذلك إعلانًا عن نهاية مرحلة طويلة من الصراع على الساحل الشامي.
وانتقلت المماليك إلى وضع مختلف.
لم تعد تواجه قوة صليبية كبيرة تملك مدن الساحل، وأصبحت مصر والشام تحت سلطتها بصورة أكثر وضوحًا.
لكن سقوط عكا لم يجعل الدولة أكثر أمنًا.
بل جعل حدودها أكثر وضوحًا وأكثر اتساعًا.
مصر في الجنوب.
دمشق في قلب الشام.
حلب في الشمال.
وخلف الفرات، عالم آخر تتحرك فيه دولة الإيلخانيين.
وكان المماليك يعرفون جيدًا أن الشام ليست مجرد أرض بين دولتين.
الشام هي الباب.
من يملكها يستطيع أن يهدد مصر.
ومن يفقدها قد يجد العدو على أبواب القاهرة.
ولهذا لم تكن دمشق بالنسبة للمماليك مدينة عادية.
كانت خط الدفاع الأول عن مصر.
وكانت حلب إنذار الشمال.
وكانت حمص وحماة وحلب ودمشق حلقات متتابعة في السلسلة التي إذا انكسرت إحداها، أصبح الخطر أقرب إلى القلب.
لكن في الطرف الآخر من الحدود، كان عالم المغول نفسه قد تغير.
المغول الذين تغيروا ولم تتغير الحرب
بعد وفاة هولاكو، لم تعد الإمبراطورية المغولية دولة واحدة متماسكة كما كانت في أيام التوسع الأول.
ظهرت الخانات والمراكز المستقلة، ومن بينها دولة الإيلخانيين في إيران والعراق.
ومع مرور الزمن، بدأ شيء غريب يحدث.
المغول الذين دخلوا العالم الإسلامي بالسيف، بدأوا هم أنفسهم يدخلون عالم الإسلام والثقافة الفارسية والإدارة الإسلامية.
ثم جاءت لحظة أكثر غرابة.
في سنة 1295م اعتنق غازان الإسلام.
وأصبح اسمه ،
محمود غازان.
كان يمكن للمرء أن يتوقع أن تتغير العلاقة بين الإيلخانيين والمماليك بعد إسلام غازان.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
فإسلام السلطان لم يُنهِ الصراع.
بل استمر غازان في حربه ضد المماليك، واستمرت محاولاته للسيطرة على الشام. وتشير الدراسات إلى أن حملته سنة 1299م كانت أكبر هجوم إيلخاني ناجح في ميدان مفتوح ضد المماليك، وانتهت باحتلال مغولي مؤقت لدمشق.
وهنا تظهر إحدى أهم حقائق تلك المرحلة ،
قد يتغير دين الحاكم، لكن مصالح الدولة وحدودها وصراعاتها لا تتغير بالضرورة معه.
لم يعد الصراع ببساطة ، مغول ضد مسلمين.
بل أصبح دولة مغولية مسلمة ضد دولة مملوكية مسلمة.
والأرض هي الأرض.
والحدود هي الحدود.
والنفوذ هو النفوذ.
والشام ما زالت هي الجائزة الكبرى.
وفي القاهرة كان السلطان صغيرًا
وفي الوقت الذي كان غازان يستعد فيه للحرب، كانت دولة المماليك نفسها تعيش اضطرابًا سياسيًا.
كان سلطان مصر هو الناصر محمد بن قلاوون.
لكنه لم يكن بعدُ ذلك السلطان الذي سيعرفه التاريخ لاحقًا بوصفه واحدًا من أبرز سلاطين المماليك.
تولى الناصر السلطنة للمرة الأولى وهو صغير بعد وفاة أخيه الأشرف خليل سنة 1293م.
ثم خرج من الحكم.
وعاد إلى السلطنة مرة ثانية سنة 1299م.
لكن الدولة كانت تعيش صراعًا بين الأمراء، ولم يكن السلطان قد امتلك بعد السيطرة الكاملة على مراكز القوة داخل الدولة.
وهنا وجد غازان أمامه فرصة.
دولة قوية في الأصل لكنها مضطربة من الداخل.
وسلطان صغير السن.
وأمراء يتنافسون.
وحدود شمالية مفتوحة.
فقرر أن يتحرك.
المغول يعبرون الفرات
في أواخر سنة 1299م، بدأ الجيش الإيلخاني يتحرك نحو الشام.
عبر الفرات.
ثم اتجه نحو حلب.
وكانت الأخبار تصل إلى دمشق ومصر أسرع من وصول الجيش نفسه:
المغول قادمون.
لم تكن هذه الجملة خبرًا عسكريًا عاديًا.
كانت ذاكرة.
بغداد.
هولاكو.
القتل.
الخراب.
ثم عين جالوت.
وكان السؤال الذي يدور في النفوس:
هل يعود التاريخ من جديد؟
وصل الجيش المغولي إلى حلب، ووقعت المدينة في قبضته، وانضم إلى غازان حلفاء من مملكة أرمينيا الصغرى.
ثم بدأ الجيش يتحرك جنوبًا.
وكان المماليك يعرفون أن الانتظار قد يكون أخطر من المواجهة.
فخرج الجيش المصري إلى الشمال.
والتقى الجيشان قرب حمص.
وهناك بدأت الكارثة.
وادي الخزندار يوم انكسرت الصفوف
في ديسمبر سنة 1299م، التقى الجيشان في موضع عرف باسم وادي الخزندار قرب حمص، وتُعرف المعركة أيضًا باسم معركة حمص الثالثة.
كان المغول يملكون سلاحهم التقليدي الذي جعلهم قوة عسكرية مرعبة ،
السرعة.
الفرسان.
الرماية.
المناورة.
والقدرة على تحويل الانسحاب إلى هجوم جديد.
أما المماليك، فقد امتلكوا خبرة طويلة في مواجهة المغول.
لكن الخبرة وحدها لا تكفي دائمًا.
اشتعلت المعركة.
ثم بدأت صفوف المماليك تتراجع.
وتحول التراجع إلى هزيمة.
وانسحب الجيش المملوكي جنوبًا.
أما غازان فقد وجد الطريق مفتوحًا.
لم تعد المسألة ،
هل يستطيع المغول دخول الشام؟
لقد دخلوا.
والسؤال الآن ،
هل يستطيعون الوصول إلى دمشق؟
وكانت دمشق تنتظر الإجابة.
دمشق المدينة التي سمعت اسم بغداد من جديد
عندما وصلت أخبار الهزيمة إلى دمشق، تغير كل شيء.
الناس يفرون.
والجنود يستعدون.
والأمراء يحاولون معرفة ما يمكن فعله.
والذاكرة القديمة تعود.
لم يكن أهل دمشق بحاجة إلى أن يتخيلوا ما يفعله المغول.
لقد رأوا بغداد من خلال أخبار الناجين منها.
وكان الخوف من تكرار المأساة أقوى من الخوف من المعركة نفسها.
ثم ظهر الجيش المغولي.
اقترب من المدينة.
وسقطت دمشق في أيدي المغول في مطلع سنة 1300م، بينما بقيت قلعتها موضع مقاومة. وتشير المصادر الأكاديمية إلى أن السيطرة المغولية على دمشق والشام كانت مؤقتة، وانتهت بانسحاب غازان في أوائل ذلك العام.
وهنا حدث ما لم يكن أحد يريد تصديقه ،
المغول عادوا إلى دمشق.
لكن هذه المرة كان هناك فارق مذهل.
القائد الذي دخلها لم يكن هولاكو.
كان غازان المسلم.
المسلم الذي جاء بجيش المغول
وهنا يصبح التاريخ أكثر تعقيدًا.
لو كانت القضية مجرد صراع ديني، لكان من السهل تفسير الحرب.
لكنها لم تكن كذلك.
غازان كان مسلمًا.
والمماليك كانوا مسلمين.
والمدن التي دخلها الجيش كانت مدنًا إسلامية.
ومع ذلك كانت الجيوش تتقاتل.
لأن خلف الدين كانت هناك دولة.
وخلف الدولة كانت هناك حدود.
وخلف الحدود كانت هناك مصالح.
وكانت هناك أيضًا رغبة إيلخانية في إخضاع الشام وإبعاد المماليك عن مناطق النفوذ المتنازع عليها.
حتى غازان حاول أن يستفيد من القوى الأوروبية والمسيحية في مواجهة المماليك، وأرسل رسائل واتصالات إلى البابوية والقوى الأوروبية أملاً في تعاون عسكري ضدهم، لكن هذه الجهود لم تتحول إلى تحالف عسكري حاسم.
وهكذا كان المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو من بعيد.
مغول مسلمون.
مماليك مسلمون.
أرمن مسيحيون يقاتلون إلى جانب غازان.
قوى أوروبية تراقب وتفاوض.
ودولة المماليك تحاول حماية مصر.
لم يكن أحد يتحرك وحده.
لماذا لم يذهب غازان إلى القاهرة؟
وهنا السؤال الذي لا يستطيع المقال أن يتجاهله ،
إذا كان غازان قد انتصر في وادي الخزندار ،
وإذا دخل دمشق ،
فلماذا لم يكمل طريقه إلى مصر؟
لماذا لم يسقط القاهرة؟
الإجابة ليست سببًا واحدًا مؤكدًا.
فالحملات المغولية كانت تواجه مشكلة حقيقية في الشام ،
الإمداد.
الجيش المغولي كان جيش فرسان يعتمد بدرجة كبيرة على الخيل.
والخيل تحتاج إلى الماء والعلف والمراعي.
وكلما طال بقاء جيش ضخم في أرض محدودة المراعي، أصبح استمرار الحملة أكثر صعوبة.
كما كانت جبهات أخرى تضغط على دولة الإيلخانيين، وهو ما ارتبط بانسحاب غازان من الشام في أوائل سنة 1300م. وتذكر الدراسات الحديثة العامل اللوجستي، إلى جانب الاضطرابات على جبهات أخرى، ضمن التفسيرات المحتملة لهذا الانسحاب.
وهنا يظهر الفرق بين ،
أن تهزم جيشًا ،
وأن تستطيع احتلال دولة.
وبين أن تدخل دمشق ،
وأن تستطيع الوصول إلى القاهرة والبقاء فيها.
كان غازان قد انتصر.
لكنه لم ينتصر في الحرب.
دمشق تعود إلى المماليك
انسحب غازان.
وعادت المماليك إلى دمشق.
وعادت الدولة إلى الشام.
وهكذا حدث شيء بالغ الأهمية،
المغول استطاعوا احتلال الشام مؤقتًا، لكنهم لم يستطيعوا تحويل ذلك إلى تغيير دائم في ميزان القوى.
كانت هذه أول إشارة إلى أن انتصار وادي الخزندار لم يكن كافيًا.
لكن غازان لم يعتبر الأمر انتهى.
فبعد أشهر حاول العودة.
وفي سنة 1300م تحركت قواته مرة أخرى نحو الشام، لكن الحملة لم تحقق الهدف، وأسهمت الظروف القاسية في توقفها وتراجعها.
ثم جاءت المحاولة الكبرى.
غازان لم ينسَ دمشق
لم يكن غازان قد أغلق ملف الشام.
كان يريد أن يثبت أن دخوله الأول لم يكن غارة عابرة.
وكان يريد أن يحقق ما لم يستطع تحقيقه في حملته الأولى ،
إسقاط القوة المملوكية في الشام.
وفي سنة 1303م أرسل جيشًا كبيرًا بقيادة قائده قطلوشاه.
لكن هذه المرة لم تكن المماليك هي الدولة المرتبكة التي واجهت غازان في وادي الخزندار.
كانت الدولة قد تعلمت.
وعرفت خصمها.
وعرفت أن قوة المغول ليست في عددهم فقط.
بل في حركتهم.
وفي خيولهم.
وفي قدرتهم على المناورة.
وعرفت أيضًا أن حماية مصر تبدأ من الشام.
وكانت دمشق تنتظر من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن المغول وحدهم من تعلم من المعركة الأولى.
المماليك أيضًا تعلموا.
من وراء الستار ،،،،
التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة نفسها.
لكنه أحيانًا يعيد السؤال نفسه.
سقطت بغداد سنة 1258م.
ثم اقترب المغول من الشام.
فوقف قطز وبيبرس في عين جالوت.
ومرت العقود.
ثم عاد المغول.
هزموا المماليك قرب حمص.
دخلوا دمشق.
وأعادوا إلى المدينة شبح بغداد.
لكن الزمن كان قد تغير.
والدول تغيرت.
والمغول أنفسهم تغيروا.
حتى إن قائدهم هذه المرة كان مسلمًا.
ومع ذلك لم يتوقف الصراع.
لأن التاريخ لا يتحرك بالعقيدة وحدها.
ولا بالسيوف وحدها.
بل تتحركه أيضًا الحدود والمصالح والتحالفات والطرق التجارية والموارد والجغرافيا.
وهنا تكمن المفارقة ،،،
غازان استطاع أن يعيد المغول إلى دمشق لكنه لم يستطع أن يعيدهم إلى بغداد القديمة.
استطاع أن يهزم جيشًا.
واستطاع أن يدخل مدينة.
لكنه لم يستطع أن يحول انتصاره إلى دولة جديدة في الشام.
وكانت أمامه محاولة أخيرة.
والمرة القادمة لن تكون مثل الأولى
في وادي الخزندار ،
انكسر المماليك.
وفي دمشق ،
دخل المغول.
لكن بعد سنوات قليلة، ستقف الجيوش مرة أخرى.
هذه المرة جنوب دمشق.
وسيكون القائد المغولي قطلوشاه.
وسيكون المماليك قد عرفوا الدرس.
وسيكون السؤال مختلفًا ،،،
هل يستطيع المغول أن يحولوا انتصارهم السابق إلى فتح دائم؟
أم أن وادي الخزندار كان آخر انتصار مغولي كبير في قلب الشام؟
هناك، في مرج الصفر او شقحب، ستُكتب الإجابة.
وهناك سنرى أن الدولة التي بدت للحظة وكأنها تترنح أمام المغول
كانت قد بدأت تستعد للضربة التي ستغير مسار الحرب.
التاريخ من وراء الستار ،،،
أحيانًا لا يكون أخطر ما في عودة العدو هو أنه عاد.
بل أن يعود وأنت لم تتعلم من المرة الأولى.
أما إذا تعلمت فإن المعركة التالية لا تكون امتدادًا للهزيمة.
بل قد تكون بداية النهاية للخطر.
والآن نعود إلى دمشق،حيث وقف المماليك أمام المغول مرة أخرى.








