حين يصبح الصمت أخطر من الألم. إسراء محمد
حين يصبح الصمت أخطر من الألم.
لماذا يختار بعض الشباب الرحيل بصمت؟
بقلم: إسراء محمد
لم يعد السؤال هو لماذا ينتحر بعض الشباب؟, بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا لماذا أصبح الأمر مألوفًا إلى هذا الحد؟ كيف تحوّل خبر فقدان شاب لحياته بيده من صدمة تهزّنا إلى خبر عابر نمر عليه سريعًا نُتمّ قراءته ببرود ثم نواصل يومنا وكأن شيئًا لم يكن؟ الأخطر من الفعل نفسه هو هذا الاعتياد البطيء هذا التآكل الخفي في حساسيتنا تجاه الألم حتى صار ما كان يومًا استثناءً مأساويًا يتكرر اليوم بشكل يفرض علينا أن نتوقف لا لنحزن فقط بل لنسأل بجدية ماذا يحدث لنا؟ وكيف وصلنا إلى هذه النقطة التي أصبح فيها فقدان شاب لحياته حدثًا يتكرر دون أن يترك أثرًا كافيًا لإيقاظنا؟.
لم تعد هذه الحوادث فردية كما نحاول أن نُقنع أنفسنا ولم يعد من الممكن التعامل معها بوصفها لحظات ضعف عابرة أو ظروفًا استثنائية تخص أصحابها وحدهم هناك ما هو أعمق من ذلك ما هو ممتد وخفي في الوقت ذاته هناك شعور عام يتسلل إلى جيل كامل شعور بالإنهاك، بالضغط المستمر، باللا جدوى أحيانًا وكأن الحياة تحوّلت إلى سباق طويل لا يملك الجميع القدرة على الاستمرار فيه قد لا تكون لدينا دائمًا أرقام دقيقة نلوّح بها لكن الإحساس العام لا يكذب والتكرار لا يأتي من فراغ وما نراه ونسمعه يومًا بعد يوم يشير بوضوح إلى أن هناك شيئًا يتفاقم بصمت شيئًا يتطلب مواجهة صريحة لا مجاملة فيها ولا تأجيل…
نحن نعيش في زمن يطلب من الإنسان أن يكون كل شيء في وقت واحد ناجحًا متماسكًا قويًا متفوقًا حاضرًا دائمًا ومبتسمًا مهما كان ما يدور داخله, زمن تُقاس فيه قيمة الإنسان بما ينجزه وبما يملكه وبالصورة التي يعكسها للآخرين لا بما يشعر به أو بما يمر به في داخله ومع هذا الضغط المستمر تتسلل المقارنات إلى تفاصيل الحياة اليومية عبر الشاشات وعبر الحكايات وعبر صور تبدو مثالية تخفي وراءها واقعًا أكثر تعقيدًا يرى الشاب نفسه في مرآة الآخرين فيقارن ويقلّل من ذاته ويشعر أنه متأخر أو أنه لا يصل أو أنه لا يكفي ومع الوقت يتحول هذا الشعور إلى فكرة ثابتة ثم إلى إحساس دائم بالثقل الداخلي
هذه المشاعر لا تظهر فجأة بل تتراكم تبدأ صغيرة ثم تكبر بصمت فكرة عابرة تتحول إلى إحساس والإحساس يتحول إلى حالة والحالة تتحول إلى واقع داخلي يثقل على صاحبه دون أن يراه أحد وهنا تكمن الخطورة الحقيقية ليس في وجود الألم بل في بقائه حبيسًا لأن ما لا يُقال لا يختفي بل يتضخم وما يُؤجَّل لا ينتهي بل يتراكم حتى يصبح أثقل مما يمكن احتماله وأقرب إلى الانفجار من أي وقت مضى.
كثير من الشباب الذين يصلون إلى حافة التفكير في إنهاء حياتهم, لا يفعلون ذلك لأنهم يريدون الموت بقدر ما يفعلونه لأنهم يريدون أن يتوقف الألم. هذه حقيقة لا بد من أن نواجهها دون تجميل أو إنكار, الإنسان بطبيعته يتمسك بالحياة لكن حين يصبح الألم أكبر من طاقته يبدأ في البحث عن أي مخرج حتى لو كان هذا المخرج قاسيًا أو خاطئًا. المشكلة ليست فقط في الفكرة وإنما في اللحظة التي يبدو فيها أن لا بدائل أخرى والشعور بأن الأبواب مغلقة وأن الصمت هو الخيار الوحيد المتاح.
وهنا يظهر دور المجتمع بكل مكوناته لأن جزءًا من الأزمة لا يتعلق فقط بما يشعر به الفرد بل بكيفية استجابة من حوله لهذه المشاعر نحن لا نجيد الاستماع كما يجب ولا نمنح المساحة الكافية للتعبير عن الألم كثيرًا ما نقابل الشكوى بكلمات جاهزة نُقلل من حجم المعاناة دون أن نقصد أو نحاول إنهاء الحديث بسرعة وكأننا نخشى مواجهة هذا النوع من المشاعر نقول اصبر الأمور ستتحسن غيرك أسوأ دون أن ندرك أن هذه الكلمات قد تُشعر الطرف الآخر بأنه غير مفهوم أو أن ما يشعر به لا يستحق الاهتمام أو أنه وحده في هذه الدائرة المغلقة.
الإنسان حين يتحدث عن ألمه لا يبحث دائمًا عن حل بل يبحث عن احتواء عن مساحة آمنة يشعر فيها أنه مسموع دون حكم ومفهوم دون تقليل وحين لا يجد هذه المساحة يعود إلى صمته لكن هذا الصمت لا يكون محايدًا بل يصبح بيئة خصبة لتضخم الأفكار السلبية حتى تسيطر على رؤيته لنفسه وللحياة من حوله وتجعله أكثر انعزالًا مع كل يوم يمر
ولا يمكن تجاهل الوصمة التي لا تزال تلاحق الحديث عن الصحة النفسية في كثير من المجتمعات لا يزال البعض يرى أن التعب النفسي ضعف وأن طلب المساعدة عيب وأن الحديث عن المشاعر ترف لا ضرورة له هذه الأفكار رغم بساطتها الظاهرة تخلق حواجز حقيقية تمنع الكثيرين من طلب الدعم الشاب الذي يشعر بأنه ينهار من الداخل قد يختار الصمت ليس لأنه لا يريد المساعدة بل لأنه يخاف من نظرة الآخرين أو من أن يُساء فهمه أو من أن يُحمّل نفسه عبء التبرير فيتحول الصمت إلى خيار قاسٍ لكنه يبدو الوحيد الممكن.
وهنا يصبح الصمت أخطر من الألم نفسه لأن الألم مهما اشتد يمكن التعامل معه إذا وجد طريقًا للخروج لكن الصمت يحبسه ويغذّيه ويجعله يتمدد دون مقاومة ومع الوقت قد يصل الإنسان إلى نقطة لا يرى فيها الأمور بوضوح تضيق فيها الخيارات ويبدو فيها الرحيل وكأنه الحل الوحيد لا لأنه الحل الصحيح بل لأنه الوحيد الذي يراه في لحظة انكساره
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن هذا الإحساس مهما كان قويًا ليس دائمًا المشاعر تتغير والظروف تتبدل والإنسان نفسه قادر على التعافي حتى وإن لم يصدق ذلك في لحظة ضعفه ما يبدو اليوم نهاية قد يكون مجرد مرحلة وما يبدو طريقًا مسدودًا قد ينفتح لكن ذلك يحتاج إلى شيء أساسي ألا يُترك الإنسان وحده في مواجهة نفسه
وهنا تأتي رسالة مباشرة لا يمكن تأجيلها أو تلطيفها إذا كنت شابًا أو فتاة وتشعر أن الحياة أصبحت أثقل مما تحتمل فلا تنتظر أن تصل إلى نقطة الانهيار لا تجعل الصمت هو خيارك الوحيد تحدث حتى لو بكلمات متقطعة حتى لو لم تفهم نفسك بالكامل ابدأ من أي نقطة مع صديق تثق به أو فرد من عائلتك أو أي شخص تشعر معه بالأمان وإن لم تجد من حولك من يستمع دون حكم فابحث عن مختص لأن طلب المساعدة ليس ضعفًا بل خطوة شجاعة تعترف بأنك تستحق فرصة أخرى لا تؤجل هذه الخطوة لأن التأجيل في لحظات الألم لا يعني الانتظار بل يعني أحيانًا الغرق أكثر في العزلة أنت لست مضطرًا لأن تخوض هذه المعركة وحدك ولا يجب أن تكون كذلك.
وإلى كل من يحيطون بهؤلاء الشباب لا تنتظروا الكلمات المباشرة أحيانًا تكون الإشارات أسبق من الكلام تغيّر بسيط في السلوك صمت أطول من المعتاد انسحاب تدريجي كلها ليست تفاصيل عابرة اسألوا اقتربوا وكونوا موجودين دون شروط لا تحتاجون إلى حلول جاهزة بل إلى حضور حقيقي لأن وجود شخص واحد فقط يستمع بصدق قد يغير مسار حياة كاملة دون مبالغة
في النهاية نحن لا نواجه مجرد حالات متفرقة بل نواجه حالة إنسانية عامة تتطلب وعيًا أعمق مما نمارسه اليوم نحن أمام جيل يعيش ضغطًا متواصلًا ويحتاج إلى مساحة للتنفس لا إلى مزيد من التوقعات إما أن نتعلم كيف نخفف هذا الحمل عن بعضنا أو نستمر في مشاهدة الصمت وهو يتحول إلى قرار لا يمكن التراجع عنه. لكن الحقيقة الأهم التي يجب أن تبقى في الذاكرة هي أن كل قصة تنتهي بصمت كانت في الأصل قصة كان يمكن أن تُغيَّر لو أن أحدًا انتبه في الوقت المناسب وأن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس فقط حياة إنسان بل تلك اللحظة الصغيرة التي كان يمكن فيها أن نقول أنا هنا لا تكن وحدك.