قصص قصيرة

حين يصبح الصمت موتآ

حين يصبح الصمت موتآ

بقلم: نجوي نصر الدين

لم أكن أعلم أن الصمت يمكن أن يكون حفّارًا ماهرًا…
يحفر داخل الإنسان بلا صوت،
ويُنزِل مشاعره واحدةً تلو الأخرى،
ثم يُهيل عليها التراب بابتسامة هادئة.
كنا نظنه حكمة،
اتزانًا،
نضجًا.
ولم نكن نعلم أنه تدريب بطيء على الاختفاء.
نصمت حين نُخذل،
حين نُهمَل،
حين نُكسَر باسم الحب،
وباسم الاحترام،
وباسم “كبر العقل”.
نقول: لا بأس…
ونعلم في داخلنا أن هناك ألف بأس.
كل مرة لم نتكلم فيها،
دفنّا شيئًا من أرواحنا.
دفنّا الغضب،
والحزن،
والخذلان،
والصوت.
حتى صرنا مقابر تمشي على قدمين.
أخطر ما في الصمت
ليس أنه يُسكِتنا…
بل أنه يُقنعنا أننا لا نستحق الكلام.
يهمس لنا: “لا تُتعب نفسك… لن يفهموك.”
“اصمت… السلامة في السكوت.”
“تحمّل… أنت الأقوى.”
فنُحاول أن نكون أقوياء…
حتى ننهار بصمت.
نضحك أمام الناس،
ونبكي داخلنا بلا دموع.
نحضر بأجسادنا،
ونغيب بأرواحنا.
نعيش… دون أن نشعر أننا أحياء.
وفي لحظة ما،
حين يضيق القلب حتى لا يعود يحتمل مزيدًا من القبور،
يعلو صوت داخلي خافت يقول:
كفى.
كفى دفنًا.
كفى صبرًا أعمى.
كفى صمتًا قاتلًا.
ندرك حينها أن المشاعر لا تموت حين نُظهرها،
بل تموت حين نخفيها.
أن البكاء أحيانًا شجاعة،
والكلام أحيانًا نجاة،
والاعتراف ضعفٌ جميل… لا عيب فيه.
نقرر أن نُنقذ ما تبقّى منا.
أن نتكلم… ولو ارتجف صوتنا.
أن نقول: تألمنا.
أن نقول: احتجنا.
أن نقول: انكسرنا.
نقرر أن نكون بشرًا… لا مقابر.
ومنذ تلك اللحظة،
نتصالح مع إنسانيتنا.
لا نخاف من الصدق،
ولا من الدموع،
ولا من الضعف المؤقت.
لأننا نفهم أخيرًا:
الصمت الذي لا يشفينا…
يقتلنا ببطء.

حين يصبح الصمت موتآ
حين يصبح الصمت موتآ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى