أدب وثقافةصدى مصرمقالاتمنوعات

حين يطلب الوطن من المواطن أن يصبر..

فمن حق المواطن أن يسأل: إلى متى؟

 

حين يطلب الوطن من المواطن أن يصبر..

فمن حق المواطن أن يسأل: إلى متى؟

 

بقلم: ممدوح عكاشة

ليس من العدل أن ننكر ما تحقق من مشروعات وإنجازات في الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، كما أنه ليس من الحكمة أن نتجاهل ما يواجهه المواطن من ضغوط اقتصادية أصبحت جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.

فبين الإنجازات التي تتحدث عنها الدولة، والأعباء التي يشعر بها المواطن في بيته، توجد مساحة كبيرة تحتاج إلى حديث صريح، هادئ، ومسؤول.

المواطن المصري لا يطلب المستحيل، ولا يريد أن يعيش على الشعارات، وإنما يريد أن يشعر أن هناك أملًا حقيقيًا في الغد.

فحين تقول له: اصبر سنة أو سنتين أو أربع سنوات، ثم تمر السنوات وتزداد الأسعار، ويظل دخله يطارد احتياجاته ولا يلحق بها، فمن الطبيعي أن يسأل:

إلى متى؟ وما الذي سنصل إليه في نهاية طريق الصبر؟

الرجل الذي يعود إلى بيته وهو يحمل همّ فاتورة الكهرباء والمياه، وأسعار الطعام والدواء والمواصلات، ثم ينظر إلى أبنائه ولا يعرف كيف يلبي احتياجاتهم، لا يحتاج إلى محاضرة عن الصبر بقدر ما يحتاج إلى بصيص أمل حقيقي.

نعم، هناك مشروعات وإنجازات لا ينكرها إلا جاحد، وهناك جهود تبذلها الدولة في ملفات عديدة، لكن المواطن عندما يكون جائعًا أو عاجزًا عن توفير احتياجات أسرته الأساسية، لن تكفيه قائمة طويلة من الإنجازات لكي يشعر بالأمان.

الإنجاز مهم، ولكن الإنسان أهم.

والاقتصاد في النهاية ليس أرقامًا في التقارير فقط؛ الاقتصاد هو أن يستطيع المواطن أن يعيش، وأن يعمل، وأن يخطط لمستقبل أبنائه دون أن يستيقظ كل صباح على زيادة جديدة في الأسعار.

ولذلك فإن المشكلة ليست في أن نختلف مع الحكومة أو نتفق معها، وإنما في أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال:

هل وصلت رسالة المواطن كاملة إلى صانع القرار؟

الرئيس عبدالفتاح السيسي تحدث أكثر من مرة عن أهمية أن يتكلم الناس وأن تُطرح الأفكار والمقترحات والحلول. وهذه الدعوة يجب ألا تكون مجرد عبارة عابرة، وإنما ينبغي أن تتحول إلى مساحة حقيقية للحوار والاستماع والمراجعة.

فالناس عندما تتحدث لا تعني بالضرورة أنها ضد الدولة، ومن ينتقد سياسة اقتصادية لا يعني أنه يريد إسقاط الدولة.

أحيانًا يكون المواطن الذي يصرخ من الغلاء هو أكثر الناس خوفًا على بلده.

المواطن لا يريد أن تهدم الدولة.. المواطن يريد أن يشعر أن الدولة تسمعه.

لقد تحمل المصريون خلال سنوات طويلة أعباءً ثقيلة، ومرت عليهم أزمات عالمية وإقليمية صعبة، وتراجع سعر الجنيه بصورة كبيرة أمام الدولار، وارتفعت أسعار الوقود والكهرباء والمياه والسلع والخدمات.

وكل زيادة جديدة لا تتوقف عند رقم على ورقة؛ وإنما تمتد إلى كل شيء.

زيادة الوقود تعني زيادة النقل، وزيادة النقل تعني زيادة تكلفة السلع، وزيادة التكلفة تعني أن المواطن يدفع أكثر في النهاية.

وهنا يجب أن نسأل بوضوح:

هل كل الحلول الاقتصادية يجب أن تبدأ من جيب المواطن؟

إذا كان المواطن هو الحلقة الأضعف، فليس من المنطق أن يتحمل وحده فاتورة كل أزمة.

الدولة لديها أجهزة ومؤسسات وخبراء واقتصاديون، ولديها القدرة على إعادة ترتيب الأولويات، ومحاربة الهدر، ومراجعة أوجه الإنفاق، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، ومواجهة الاحتكار، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.

والأهم من ذلك كله:

أن يشعر المواطن أن هناك عدالة في توزيع أعباء الأزمة.

فلا يمكن أن تطلب من موظف أو عامل أو صاحب معاش أن يتحمل الارتفاعات المتتالية، بينما يرى أمامه مظاهر إنفاق وبذخ لا تتناسب مع حجم المعاناة التي يعيشها.

وفي المقابل، يجب أن نكون حذرين من خطاب التخويف.

لا ينبغي أن نقول للمواطن: إذا تكلمت فأنت خطر على الدولة، وإذا اعترضت فأنت ضد الوطن.

الوطن أكبر من الحكومة، والدولة أكبر من أي مسؤول، والمواطن شريك في هذا الوطن وليس خصمًا له.

والتاريخ يعلمنا أن إغلاق أبواب الكلام لا يلغي الغضب، وإنما يجعل الغضب يبحث عن أبواب أخرى.

لذلك فإن فتح باب الحوار الحقيقي، وسماع الناس، واستقبال الحلول والمقترحات، أفضل ألف مرة من ترك المواطن فريسة للإحباط واليأس.

المطلوب ليس أن ننزل إلى الشارع، وليس المطلوب أن ندفع الناس إلى الفوضى، وليس المطلوب أن نخيف المواطن من التعبير عن رأيه.

المطلوب ببساطة:

أن نعطيه سببًا حقيقيًا للصبر.

قل له: هذا هو الطريق، وهذه هي الصعوبات، وهذه هي الخطة، وهذه هي النتائج التي سنصل إليها، وهذه هي الإجراءات التي ستتخذها الدولة لحمايتك أثناء الطريق.

عندها سيصبر المواطن.

لأن الإنسان يستطيع أن يتحمل الألم عندما يعرف لماذا يتحمله وإلى أين سيصل.

أما أن يظل يسمع كلمة “اصبر” بينما يرى الأسعار تسبق دخله كل يوم، فهنا يتحول الصبر من فضيلة إلى اختبار قاسٍ للأمل.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نصل إليه ليس ارتفاع سعر الدولار ولا ارتفاع الأسعار وحدهما، وإنما أن يفقد المواطن إيمانه بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

وهنا تكون المسؤولية أكبر من مجرد معالجة عجز أو أزمة مالية.

إنها مسؤولية إعادة بناء الأمل.

فلا تخافوا من المواطن الذي يتحدث، ولا تخافوا من الصحفي الذي يسأل، ولا من الموظف الذي يعترض، ولا من الخبير الذي يقدم مقترحًا مختلفًا.

خافوا فقط من مواطن فقد الأمل ولم يعد يرى فرقًا بين أن يصبر وأن لا يصبر.

نحن نريد دولة قوية، واقتصادًا قويًا، ومشروعات ناجحة، ومؤسسات مستقرة.

لكننا نريد أيضًا مواطنًا يشعر أن ثمار هذا الوطن ستصل إليه، وأن أبناءه سيكون لهم مستقبل أفضل، وأن التضحية التي قدمها طوال السنوات الماضية لم تذهب سدى.

فالناس لا تحتاج إلى من يقول لها: اصبروا فقط…

الناس تحتاج إلى من يقول لها:

“اصبروا.. وهذا هو الأمل الذي نعدكم به، وهذه هي خطواتنا لتحقيقه.”

وهنا فقط…

سيصبر المواطن، ويمشي مع الدولة إلى النهاية، لأنه رأى في نهاية الطريق نورًا يستحق الانتظار.

زر الذهاب إلى الأعلى