حين يغيب الواجب يغيب معه الحق
ليست «الواجب» و«الحق» مفهومين اعتباطيين، بل هما ركنان متلازمان في بناء الأخلاق والقانون والمجتمع. فالحق لا يُنال بالتمني، بل يُصان بالتزام الأفراد والمؤسسات بواجباتهم، وكلما تراجع الإحساس بالواجب تراجعت معه قدرة المجتمع على حماية الحقوق وتحقيق العدل.
الواجب أساس النظام الأخلاقي
الواجب هو ما يُطالب به الفرد أخلاقياً أو قانونياً أو دينياً، لا لأنه يحقق له منفعة فورية، بل لأنه صواب ينبغي فعله. وهو في جوهره التزام داخلي يسبق حساب المصالح، إذ لا تُقاس قيمة الفعل بما يجلبه لصاحبه من ربح أو شهرة، بل بموافقته للعدل والقيمة.
وفي الفلسفة الأخلاقية، يرتبط هذا التصور بالاتجاه الذي يجعل أداء الواجب أساس الحكم على الفعل، لا نتائجه وحدها. فالإنسان الحر هو الذي يتصرف بحسب العقل والقانون الأخلاقي، لا بحسب الرغبة أو المصلحة الشخصية. وبهذا المعنى، الواجب ليس قيداً على الحرية، بل شرط لتحققها داخل إطار من المسؤولية.
الواجب في الوعي الإسلامي
لم يكن الواجب في التصور الإسلامي مجرد التزام خارجي، بل عبادة ومسؤولية إنسانية. فالشرع يربط بين حقوق الناس وواجبات الآخرين: حق الطفل في التربية يقابله واجب الوالدين، وحق المجتمع في الأمن يقابله واجب الفرد في عدم الإضرار به، وحق العامل يقابله واجب صاحب العمل في العدل والأداء.
كما أن الحق في الإسلام ليس مفهوماً اجتماعياً فحسب؛ فهو اسم من أسماء الله الحسنى، دالّ على الثبوت والوجود والصدق وعدم الزوال. ومن هنا، فإن المطالبة بالحق ليست مطالبة بمصلحة فردية فحسب، بل انحياز لثابت أخلاقي ووجودي.
من المعتزلة إلى الفلسفة اليونانية
اختلفت المدارس في تفسير مصدر الواجب، لكنها اجتمعت على أهميته. فقد اهتمت المعتزلة بالعدل والواجب والتحسين والتقبيح، لأنها رأت أن الإنسان مسؤول عن أفعاله وأن العدل شرط في تصور الإله والشرع. أما الأشاعرة فربطوا الواجب بالأمر الإلهي والشرع، مع اختلافهم في طبيعة الحسن والقبح. وحتى التصوف، رغم تركيزه على القلب والزهد، لم يُلغِ الواجب، بل حوّله إلى أدب داخلي: أدب العبد مع ربه، وأدب الإنسان مع نفسه وغيره.
وفي الفلسفة اليونانية، خاصة عند أفلاطون وأرسطو، كانت الفضيلة والعدل والمشاركة في شؤون المدينة جوهر الحياة الأخلاقية؛ فلم يكن المواطن كاملاً إلا إذا أدى دوره في الجماعة. وهكذا يظهر أن الواجب ليس اختراعاً حديثاً، بل إشكالية إنسانية قديمة أعادت الفلسفات والأديان صياغتها.
الواجب والديمقراطية والقانون
في الفكر السياسي المعاصر، يرتبط الحق بالمواطنة والقانون والديمقراطية. فالحقوق لا تقف عند الإعلان عنها، بل تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وقوانين تنظمها، ومواطنين يلتزمون بواجباتهم المدنية: دفع الضرائب، واحترام القانون، والمشاركة، ومساءلة السلطة، واحترام حقوق الآخرين.
والديمقراطية الحقيقية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل عقد اجتماعي يقوم على التوازن بين الحق والواجب. فمن يطالب بحقه دون أن يؤدي واجبه يفرّغ الحق من معناه، ومن يُطالب بالواجب دون أن يُعطى حقه يفقد النظام شرعيته.
الحق جوهره الله
قول «إنّي أنا الحق» في سياقه القرآني يعني أن الله هو الحقيقة الثابتة، والموجود الذي لا يزول، والمرجع الذي تُقاس عليه قيم العدل والصدق والوفاء. ولذلك، حين يغيب الواجب عن الفرد أو الدولة، لا يغيب حق فردي فقط، بل يختل التوازن الذي يجعل الحق ممكناً أصلاً.
فالمجتمع المتقدم ليس الذي يتحدث كثيراً عن الحقوق، بل الذي يعرف أن كل حق يقف على واجب، وأن كل واجب يؤدى بوعي يقرب المجتمع من العدل، والعدل هو الترجمة الإنسانية للحق.
بقلم …..عبد المجيد عبوبي








