مقالات

دراكولا_الانتخاب بقلم: محمد العايدي.

دراكولا_الانتخاب
بقلم: محمد العايدي.
19 نوفمبر2025
في بلد لم يمتلك بعد ثقافة الاقتراع الحقيقية أصبحت المشاركة في الانتخابات فعلاً آلياً لا يحمل أثرًا سياسيًا ولا يعبر عن إرادة شعبية حرة واعية.
الفجوة بين النائب والناخب اتسعت حتى غدت هوّة سحيقة, نائب لا يعرف الناس ولا يراهم إلا في موسم واحد وناس لا ترى منه إلا وعودًا عابرة ثم يختفي كما جاء كأنه شبح موسمي يقبع داخل تابوته ولا يخرج إلا في وقت محدد ليقوم بمص دماء, البشر.. مثلما كان يفعل دراكولا.
ومن أجل تلك الفجوة صار الحلُّ الأقوى هو مقاطعةُ الانتخابات عامةً، ومقاطعةُ انتخاباتِ البرلمان خاصة، لأنها لم تعد ممارسةً ديمقراطيةً، بل مشهدًا تمثيليًا متكررًا.
المقاطعة هنا ليست انسحابًا ولا ضعفًا، بل موقفٌ واضحٌ يعلن رفضَ المشاركة في عمليةٍ فقدت معناها وتحوّل فيها الصوت إلى سلعة لا رأي لها.
حين يدخل النائب إلى اللجان فيجدها فارغة وحين يكتشف المرشح أن لا جمهور يستقبل وعوده سيشعر أن بضاعته قد بارت وأن السوق الذي كان يشتري فيه الأصوات قد أغلق.
عندها فقط يدرك أن اللعبة التي كانت مضمونة لم تعد كذلك وأن الناس لم تعد جزءًا من المسرحية المكررة كل موسم.
بعكس ما يحدث دائمًا، حيث تُعرَض بضاعةٌ فاسدةٌ محاطةٌ بالديدان، ومع ذلك تجد من يشتريها ويدفع ثمنها من دمه وكرامته طمعًا في الظفر بها.
نحن بحاجة إلى أن نؤكّد أن الصوت ليس بضاعة، وأن الناخب ليس رقمًا يعلو قدره يومًا ثم يعود إلى همومه.
ولأن الديمقراطية لا تُبنى بالطوابير المصطنعة، بل بالوعي واحترام إرادة الناس، فإن غياب الناخب هنا هو الرسالة الأقوى.
غيابه يعرّي التزييف ويفضح العبث ويكشف أن الصندوق بحاجة إلى معنى قبل أن يحتاج إلى أصوات.
المقاطعة في هذا الوقت ليست دعوة إلى الكسل، بل دعوة إلى صوتٍ أنقى وواقعٍ أعدل، لا تحكمه حقيبةُ منتجاتٍ تموينية، ولا رشوة، ولا مرشّحٌ يظهر يومًا ويغيب أعوامًا.
كلّنا نقرأ ونرى شماعاتِ التزوير وشراءَ الأصوات ونصبَ الفخاخ وتعكيرَ المناخ، وغيرها من ألاعيب السحرة؛ “سحرةِ فرعون”.
وقد قلت مرارًا إن شراءَ الصوت لا يختلف عن تزوير نتيجة الانتخابات لأنه في الحقيقة تزوير لإرادة الناخب نفسها وهو أبشع أنواع التزييف وأكثرها ضررًا.
في القليوبية، يعيش الناس معاناةً يوميةً من أجل قطرة ماء نظيفة، حتى إن بعضهم يضطر لحفر آبارٍ ليكتشفوا مياهًا تبدو صالحة للشرب، رغم ارتفاع نسبة الأملاح فيها بشكل كبير.
ومع ذلك، يفضّل الأهالي هذه المياه على مياه الحكومة، التي تصلهم مختلطةً بمياه الصرف الصحي. أما الطرق فقد أصبحت غير صالحةٍ للسير، تتكدّس فيها القمامة وتغمرها الحجارة والحصى، وتشوهها يافطاتُ المرشحين الذين يطمحون للظفر بكرسي البرلمان، ولم يطالب أحدٌ برصفها بالكامل بأساليب علمية سليمة.
بل كل ما يرجوه الأهالي أن تُرصف الطرق بأشكال أبسط، مثل بلاطات خرسانية مثقبة تُغرس في الأرض لتسوية الطريق ومقاومة الماء والمطر، وهو حل أبسط وأرخص بكثير من الرصف الكامل. ومع ذلك، لا يحدث شيء، ويتساءل الجميع: أين أعضاء مجلس الشعب من هذا الغياب المزمن؟ (لا إجابة)
في مواسم الانتخابات تتبدل الوجوه وتظل الحكايات واحدة, وفي دائرة الخانكة يلمس الناس كل عام كيف تتحول المنافسة السياسية إلى سباق لا يشبه الديمقراطية ولا يعبر عن إرادة المواطنين فالمرشحون يظهرون فجأة بعد غياب طويل يحملون وعودًا كثيرة وكلمات منمقة ثم تبدأ الظلال الثقيلة لأموال السياسة في الامتداد على البيوت وعلى العقول.
يتحدث الناس عن الخدمات ثم يجدونها مرتبطة بالصوت الذي يملكه الناخب وتأتي الشنط والمساعدات في ليال يعرف الجميع أنها ليست صدقة ولا خيرًا خالصًا بل هي الوجه الآخر لشراء الإرادة كانعكاس صارخ لاستغلال قلة الكفاف.
حيث يصبح المواطن بين حاجته وبين قناعته وبين شعوره أن صوته لن يغير شيئًا في واقع لم يتبدل منذ سنوات طويلة, وهكذا يتحول الصندوق من وسيلة لاختيار الأصلح إلى ساحة تبادل مصالح لا يكسب منها إلا من يملك المال والنفوذ.
المشهد في الخانكة هو انعكاس لما يحدث في دوائر كثيرة على مستوى الجمهورية سباق لا يعتمد على البرامج ولا على خطط التنمية ولا على تعاون فعلي بين المحافظة والإدارة المحلية, بل على من يملك القدرة على سحب أعظم عدد من الأصوات فتضيع السياسة ويضيع الحوار ويتحول الناخب إلى رقم تعلو قيمته يومًا واحدًا ثم يعود كما كان مهمومًا مثقلاً بحياته اليومية.
تزييف الإرادة لا يحدث داخل اللجان فحسب بل يبدأ قبل ذلك بكثير حين يقتنع الناخب أن صوته مجرد ورقة لا قيمة لها وحين يظن أن مكسب اللحظة أهم من حقه في مستقبل أفضل.
عندها يفقد الصندوق معناه ويتحول المرشح إلى دراكولا سياسي يمتص ما تبقى من قوة المواطن ثم يختفي داخل تابوته حتى موعد جديد.
والحقيقة أن الخانكة كمركز رئيسي ليست بؤرة المعاناة بل ضواحيها الواسعة الممتدة من القلج إلى الجبل الأصفر ومن سرياقوس إلى القرى المتشابكة حولها مثل: عرب العيايدة المنايل كفر حمزة القشيش وأبو زعبل, وهي مناطق تعاني العشوائية ونقص الخدمات وتستحق أفضل ألف مرة من هذا المشهد العبثي.
عندما تسير في تلك الشوارع ترى يافطات كبيرة تم تركيبها بطرق عشوائية مما زاد من فوضى الشوارع وعشوائياتها جغرافيا وهندسيا، يافطات تحمل صورًا متعددة لهذ المرشح أو ذاك، بينما تلك المناطق يقطنها بشر يستحقون خدمات حقيقية.
تستحق هذه القرى مرشحًا يخاطب الناس بالاحترام ويعمل لخدمتهم بلا مقابل ويؤمن أن الصوت أمانة لا بضاعة, كما تستحق ناخبًا يرفع رأسه وينحاز لمصلحته الحقيقية لا لمصلحة عابرة تزول بعد أيام.
أما المرشح الذي يتحدث عن نفسه باعتباره ممثل دائرة المركز الرئيسي فإنه يتجاهل أن حقيقة الدائرة ليست المركز وحده بل تلك القرى التي تتحمل أثقل الهموم وأوضح الإهمال.
ويبقى السؤال متعدد المحاور:
من يشرب دم الديمقراطية في كل موسم انتخابي؟
ومن يعيد الروح إلى صوت الناس؟
ومن ينقذ الوطن من دراكولا الانتخابات؟
على السيد رئيس الجمهورية الإجابة عن كل هذه الأسئلة
محمد العايدي.

زر الذهاب إلى الأعلى