أخبار محلية

د. أبو الفضل الإسناوي من مقر جامعة الدول العربية: ما يحدث ليس “سيولة هوية” بل صراع بين مشروعين

د. أبو الفضل الإسناوي من مقر جامعة الدول العربية: ما يحدث ليس "سيولة هوية" بل صراع بين مشروعين

د. أبو الفضل الإسناوي من مقر جامعة الدول العربية: ما يحدث ليس “سيولة هوية” بل صراع بين مشروعين… والمؤتمر الخامس للإخوان قدّم تصورًا مبكرًا لتحدي الهوية العربية

 

 

عقد بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة أعمال ندوة بعنوان “انعكاسات التنوع على الهوية العربية.. نحو مقاربة تكاملية”، وذلك بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء من عدد من الدول العربية، حيث تناولت الندوة التحولات التي تشهدها المجتمعات العربية في ظل التعدد الثقافي والديني، وتداعيات ذلك على مفهوم الهوية الوطنية والقومية، وسبل تحقيق التوازن بين التنوع والحفاظ على الخصوصية الحضارية للدول العربية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور أبوالفضل الإسناوي عضو مجلس أمناء مؤسسة رسالة السلام والمدير الأكاديمي لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، تعليقًا على ورقة الدكتور عمرو الورداني رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب، أن مصطلح “سيولة الهوية” الذي طُرح في النقاشات الفكرية الأخيرة لا يعكس بدقة طبيعة ما يحدث في الواقع العربي، موضحًا أن ما نشهده في الحقيقة ليس ذوبانًا للهوية أو فقدانًا لها، وإنما صراعًا واضحًا بين أنماط مختلفة من الانتماء، في مقدمتها الهوية الدينية من جهة، والهوية الوطنية والقومية من جهة أخرى.

وأوضح الإسناوي أن استخدام تعبير “سيولة الهوية” قد يوحي بأن المجتمعات العربية فقدت مرجعيتها أو أصبحت بلا إطار جامع، بينما الواقع – بحسب تقديره – يشير إلى وجود حالة من التنافس الفكري والسياسي بين رؤيتين متباينتين للانتماء، إحداهما تقوم على فكرة الدولة الوطنية باعتبارها الإطار الأعلى للولاء السياسي والقانوني، والأخرى تنطلق من تصور أوسع يجعل الانتماء الديني هو المرجعية الأساسية التي تتجاوز الحدود الوطنية والقومية.

وأضاف أن هذا الجدل حول الهوية ليس وليد اللحظة الراهنة، بل يمتد جذوره إلى بدايات القرن العشرين، حين ظهرت مشاريع فكرية وتنظيمية حاولت إعادة تعريف مفهوم الانتماء على أساس ديني أممي يتجاوز الدولة الوطنية، مشيرًا إلى أن إحدى أبرز الوثائق التي عكست هذا التوجه كانت “المؤتمر الخامس” لجماعة الإخوان المسلمين الذي عقد في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، والذي قدّم تصورًا متكاملًا لدور الجماعة في المجتمع والدولة، ورسم ملامح مشروع سياسي وفكري يتجاوز الإطار الوطني إلى إطار أوسع.

وأشار الإسناوي إلى أن قراءة نصوص المؤتمر الخامس تكشف بوضوح أن الصراع حول الهوية العربية لم يكن مجرد خلاف نظري بين مفكرين، بل كان تعبيرًا عن تنافس بين مشروعين حضاريين مختلفين: مشروع الدولة الوطنية الذي يقوم على مفهوم المواطنة والانتماء للأرض والسيادة السياسية، ومشروع آخر يقوم على فكرة الأمة العابرة للحدود، حيث تصبح الهوية الدينية هي الأساس الأول للولاء السياسي والاجتماعي.

وتابع أن أهمية استحضار هذه الوثيقة التاريخية اليوم لا تكمن في إعادة فتح ملفات الماضي، بل في فهم طبيعة التحديات الراهنة التي تواجه الهوية العربية في ظل التحولات الفكرية والثقافية المتسارعة، مؤكدًا أن كثيرًا من النقاشات الحالية حول الهوية تعيد إنتاج أسئلة قديمة طرحت منذ عقود، لكنها تظهر اليوم في سياقات جديدة تتعلق بالعولمة والتكنولوجيا والتداخل الثقافي.

ولفت الإسناوي إلى أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الهوية العربية لا يتمثل في التنوع ذاته، لأن التنوع كان دائمًا جزءًا من التاريخ العربي والإسلامي، وإنما في غياب إطار فكري واضح يحدد العلاقة بين مكونات الهوية المختلفة، ويمنع تحول التعدد إلى حالة من التنازع أو الصراع على المرجعية، مشددًا على أن الهوية العربية بطبيعتها هوية مركبة تجمع بين البعد الديني والبعد الوطني والبعد القومي، وأن الحفاظ على هذا التوازن هو الضمانة الأساسية لاستقرار المجتمعات العربية.

وأوضح أن التجارب التاريخية في المنطقة العربية أثبتت أن الدول التي نجحت في ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية كانت أكثر قدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بينما واجهت الدول التي شهدت صراعات حادة حول الهوية صعوبات كبيرة في الحفاظ على استقرارها السياسي والاجتماعي، وهو ما يؤكد أن مسألة الهوية لم تعد قضية ثقافية أو فكرية فقط، بل أصبحت قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل الدولة ومصير المجتمعات.

وأكد الإسناوي أن التعامل مع قضية الهوية يتطلب رؤية متوازنة لا تنحاز إلى التطرف في أي اتجاه، بحيث يتم الحفاظ على المرجعية الدينية بوصفها مصدرًا للقيم والأخلاق، وفي الوقت نفسه يتم تعزيز مفهوم الدولة الوطنية باعتبارها الإطار القانوني والسياسي الذي ينظم العلاقة بين المواطنين، ويضمن الاستقرار والتنمية.

واختتم الإسناوي تصريحه بالتأكيد على أن النقاش الذي شهدته الندوة داخل جامعة الدول العربية يمثل خطوة مهمة في اتجاه بناء مقاربة تكاملية للهوية العربية، تقوم على فهم عميق لطبيعة التحديات التي تواجهها، وعلى قراءة واعية للتاريخ الفكري والسياسي في المنطقة، مشددًا على أن الهوية العربية ستظل قادرة على الصمود والتجدد ما دامت مرتبطة بالدولة الوطنية، وقائمة على التوازن بين الانتماء الديني والولاء الوطني، ومفتوحة في الوقت نفسه على قيم التنوع والتعدد التي تشكل جزءًا أصيلًا من تاريخها الحضاري.

زر الذهاب إلى الأعلى