رائحة الفوضى التي تسبق الانفجار

رائحة الفوضى التي تسبق الانفجار
بقلم/نشأت البسيوني
في كل صباح تخرج الحرب بوجه جديد كأنها لا تكتفي بما فعلته بالأمس وكأنها ترفض أن تمنح الأرض لحظة واحدة تستعيد فيها أنفاسها اخر الدورات ليست مجرد تغيير مواقع أو إعلان خجول عن تقدم هنا أو تراجع هناك لكنها طبقة جديدة من فوضى تتسع كلما حاول أحد أن يضع لها إطارا أو تفسيراً على امتداد الجبهات يتحرك الجنود كأنهم يسيرون فوق خيط مرسوم بين النجاة والاختفاء
واحد يشد سترته العسكرية ليخفي رجفة لا يريد لأحد أن يراها وآخر يرفع رأسه قليلا ليطمئن أن السماء ما زالت فوقه لا تنهار وثالث يقف في المنتصف لا يعرف إن كان يخوض معركته لأنه يؤمن بها أم لأنه لم يعُد يملك طريقا آخر يعود منه الرائحة التي تسبق الانفجار لا تشبه شيئا آخر مزيج من غبار وهلع وذكريات مشوهة تتصادم في رأس كل مقاتل كأن ذاكرته نفسها ساحة حرب
صغيرة يتكرر فيها المشهد أكثر من مرة وفي كل دورة جديدة يصبح الصمت أخطر من الضجيج والسكون أثقل من صوت المدفع والنظرة الواحدة تحمل ما لا تستطيع الكلمات حمله العالم يتابع المشهد من بعيد يقرأ التقارير يشاهد الصور يكتب التعليقات لكنه لا يسمع الصوت الحقيقي صوت الأرض وهي تئن تحت الأقدام صوت الأرملة التي تنتظر خبراً لا يأتي صوت الطفل الذي صار يحفظ
اتجاه القذائف أكثر مما يحفظ طريق مدرسته صوت الشوارع التي اعتادت أن تتشقق بدلاً من أن ترصف في اخر الدورات يتضح أن الحرب لم تعد حدثاً عابراً بل أصبحت سياقاً كاملاً يعيد تشكيل الوعي واللغة والأحلام أصبحت تشبه الغضب أكثر مما تشبه الأمل وأصبحت التفاصيل الصغيرة مثل كوب ماء وجدارٍ سليم وبابٍ لم يكسر تعتبر انتصاراً يومياً لا يعترف به أحد ورغم كل هذا يستيقظ
الناس كل يوم ينهضون من تحت الركام يرممون ما يمكن ترميمه يضعون قلوبهم في جيوبهم كي لا تسقط وهم يمضون ويقفون في الطوابير الطويلة كأنهم يعلنون بشكل صامت أنهم لن يتركوا هذه الأرض مهما تغيرت وجوه النار ولن يسمحوا للرماد أن يكتب النهاية وحده اخر الدورات تكشف أن الحرب لا تملك شكلاً واحداً لكنها تملك أثراً واحداً يظل محفوراً في كل شيء في العيون التي تحاول
أن تبدو أقوى من الألم في الوجوه التي تتعلم الصبر أكثر مما تتعلم النوم وفي اليد التي ترتجف رغم كل ما مرّ عليها لأنها تعرف أن القادم دائماً أثقل من الماضي يبقى السؤال معلقاً فوق كل جبهة متى ينتهي هذا العبث وكيف يمكن للعالم أن يدفن كل هذه الفوضى دون أن يدفن معها ما تبقى من إنسانية من يقاتلون ومن ينتظرون ومن يحلمون بسلام بسيط لا يطلب الكثير فقط يوماً واحداً دون رائحة انفجار جديدة




